لا أظن أن ثمة كلمات يمكن أن تصف ما يجري الآن في غزة، فالوحشية اليهودية في مواجهة أقصى درجات البؤس المعيشي لإخواننا الفلسطينيين أصبحت عصية على الكلمات، تبكي منها الأحجار والأشجار، بينما العالم في تواطؤ، صامتٌ، أعمى… إن ما وصل إليه الكيان اللعين من انعدام الإنسانية يستحق -بحق- أن يتم تدريسه مثالا على السادية والتغول البشري في أبشع صوره وأشكاله. أخجل من نفسي وكلماتي الآن إن سألني أبنائي يوما ما: أين كان العالم حينذاك؟ سأخبرهم أني كتبت (تدوينة) ذلك اليوم وأني دعوت لهم من كل قلبي في صلاتي! أجزم أن هذا سيجعلهم يحتقرون أباهم أكثر ويحشرونه في صف المتواطئين المتسترين على تلك الجريمة.

غزة الآن بلا ماء، بلا كهرباء، بلا وقود… أما عالمنا اليوم فيشكو من انعدام الحياء، الضمير، أبسط معاني الإنسانية في إبداء التعاطف، حتى المصطنع منه! إن ما يحصل الآن في غزة وصمة عار في جبين الإنسانية، أمّا وقد ماتت الإنسانية فيهم منذ زمن فالعتب كل العتب على جمعيات حقوق الحيوان التي لم يحرك فيها مشهد دفن الصيصان الحية شعرة تعاطف أو شفقة أو حتى مشروع تبنٍّ لها، في ما يبدو أنه تنصل من واجباتها حتى تجاه الحيوانات المحاصرة.
إن ما يبعث على الأسى أكثر هو أن هذا التنكيل والفجور بالفلسطينيين يأتي بينما تعيش دول الخليج -وليس الخليجيين- طفرة نوعية غير مسبوقة، وتكدسا ضخما في الأموال والحسابات المصرفية زاد عن حاجة اللصوص أنفسهم! أليس خذلان الأقرباء أشد على النفس من جور الأعداء؟ إذا كان هذا المال لن يذهب لإعانة المظلومين من أهلنا وإخواننا في غزة وغيرها فلا نريده هلاكا علينا وخذلانا لأمتنا واستدراجا لنا من حيث لا نعلم. إن الذي فجر النفط تحت أقدامنا وقد كنا نعيش في فقر تلهبه رياح الصحراء وجوع ينازع نوم العيون قادر على أن يذهب بكل هذا فهو المتفضل -سبحانه- والمال ماله لم نؤته على علم عندنا، وقد كنا في أشد مما هم فيه الآن فمنّ الله علينا.
أما حكاية الخذلان على الممر المصري وبيان عوار الخيانة والتواطؤ فرائحته تزكم الأنوف، ودخانه يُجري العيون الجارية أصلا عجزا وضعفا وتعاطفا. إن مشهد التواطؤ والتحالف مع الأعداء هذا الذي نعيشه يذكرنا بقصة المسلمين مع الأحزاب حين اجتمع ضدهم جيش قريش متحالفا مع قبائل العرب من جهة، وخيانة اليهود وفتحهم لظهر المدينة في وجه الأعداء من جهة أخرى، بالإضافة إلى البرد ونقص المؤن الذي أتى على ما تبقى من صمود وقوى. وفي هذا أنزل الله سبحانه وتعالى قرآنا يُتلى إلى يوم القيامة: “يا أيها الذينَ آمَنوا اذْكروا نِعمَة اللَّهِ عليْكم إذْ جاءتْكمْ جنودٌ فأرْسَلنا عليهمْ رِيحًا وجنودًا لَّمْ تَرَوْها وكان اللَّه بما تعملونَ بصيرًا ● إذْ جاؤوكُم مِّن فوقكم ومِن أسفل منكم وإذْ زاغَت الأبصارُ وبلَغَت القلوب الحناجرَ وتظنونَ باللَّهِ الظّنونا ● هنالكَ ابتُلِيَ المؤمنونَ وزُلْزلوا زلزالا شديدًا” [الأحزاب 9-11].
إن هذا العرض القرآني للفرج بعد الشدة وتعاقب النصر بعد انسداد الأفق يبين أن على المسلم التحلي بإحسان الظن بالله وعدم اليأس والقنوط حتى مع تكالب الأعداء ووطأة الظروف والأحداث. إن العالَم المتسارع يعطينا اليقين بأن الأشخاص والأحداث منطلقة في دورات تسارعية لا يعلم مستقبلها إلا الله عز وجل، وفي هذا يقول المفكر الإسلامي سيد قطب رحمه الله:
النفس البشرية قد تستغرقها اللحظة الحاضرة، وما فيها من أوضاع وملابسات، وقد تغلق عليها منافذ المستقبل، فتعيش في سجن اللحظة الحاضرة، وتشعر أنها سرمد، وأنها باقية، وأن ما فيها من أوضاع وأحوال سيرافقها ويطاردها… وهذا سجن نفسي مغلق مفسد للأعصاب في كثير من الأحيان، وليست هذه هي الحقيقة؛ فقدر الله دائما يعمل، ودائما يغير، ودائما يبدل، ودائما ينشئ ما لا يجول في حسبان البشر من الأحوال والأوضاع… فرج بعد ضيق، وعسر بعد يسر، وبسط بعد قبض… والله كل يوم هو في شأن يبديه للخلق بعد أن كان عنهم في حجاب.
ويريد الله أن تستقر هذه الحقيقة في نفوس البشر؛ لتظل تطلعهم إلى ما يحدثه الله من الأمر متجددة دائما، ولتظل أبواب الأمل في تغيير الأوضاع مفتوحة دائما، ولتظل نفوسهم متحركة بالأمل، ندية بالرجاء، لا تغلق المنافذ ولا تعيش في سجن الحاضر… واللحظة التالية قد تحمل ما ليس في الحسبان “لا تدري لعل الله يُحْدثُ بعد ذلكَ أمْرا” [الطلاق 1].
إن هذا الاستنزاف الذي يقدم عليه اليهود بتعريض إخواننا للجوع والهلاك هو استراتيجية قذرة تهدف إلى كسر روح المقاومة والصمود في أبناء فلسطين حيث تصور لهم همهم على أنه كسرة خبز هنا وقنينة غاز هناك. وهم يظنون أنهم بهذا سيلهون المجاهد الفلسطيني عن أهدافه العليا في قتال المستعمرين وإخراجهم من الأرض المقدسة، وهذا وهم صوّره لهم خيالهم المريض وإجرامهم اليائس. إن الشعوب الصامدة الثائرة ترتقي سُلّم الحرية والاستقلال على أجساد شهدائها وجماجمهم… إن اليهود لم يحصلوا على أرضهم تجمع شتاتهم إلا بقرار يتخوف كثير منهم أنه صك نهايتهم المحتومة، لذا فهُم لا يدركون لماذا يستأسد أبناء وبنات فلسطين أمام جحافل دباباتهم وهدير طائراتهم، ونباح كلابهم.









شعرت بألم ورغبت كتابة الكثير، قال تعالى ((…ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم…)) 46/التوبة
أنفس وهمم مثبطة ولم تمتد حتى بعطاء! الله المستعان.
أخي مدفون، بارك الله فيك، ونسأل الله أن لا نكون ممن كره انبعاثهم وأن يرحم إخواننا في غزة الشامخة، المحاصرة.
شكرا لعاطر مرورك.
سكوتنا وكأن ما يحدث لإخواننا في غزة لا يعنينا هو الخزي و العار بعينه ! أشعر بقمة الضعف والهوان وأحزن بشدة كلما رأيت موقع فلسطين !
غزة الآن تضيئها قلوب مكلومة وشموع ذائبة ودموع ما إنقطعت يوماً !
غزة الحبيبة إصمدي ..فما باليدِ حيلة سوى أن تُرفع لخالقها ..
فكن لهم يارب عوناً و نصيرا على من عاداهم وثبت أقدامهم وأنزل السكينة عليهم ..واغنيهم عن من خذلهم برضاك وعفوك ورحمتك ورزقك ..
يارب ..
أخي ليزر ..كن فخوراً بنفسك عندما يسألك إبنك مستقبلاً ..فقد أيقضت بتدوينتك هذه ضميرا غفى وسهى !
فشكراً جزيلاً .. مدينة لك ..
أخي العزيز، ليس بيدنا إلا الدعاء و التذكير بالكتابة. يقف الإنسان عاجزا عن فعل أي شيء آخر، فمتى تحرّك البعض قامت في وجهه الحكومات.
نحن بحاجة لأن نفك الحصر عن شعوبنا – عن شعب كل بلد عربي مسلم، قبل أن نفك حصار غزة!
سُكارى مثلنا؟…
لقد تحدثت قبل مدة عن عُرس في مقبرة، و قطاع غزّة يحتفل اليوم بذلك العُرس. إنّني … مجرّد ضجيج. بدون تعليق، بدون تعليقات!
……
بارك الله فيك أخي العزيز متعب على كلماتك الرائعة والعميقة
والأجمل ما نقلته للشهيد العملاق سيد قطب (المظلوم حيا وميتا) وله من اسمه نصيب.. فلا غيره يجيد الوصف والتشخيص والعلاج.. رحمه الله رحمة واسعة.. وأيقضظنا لتدارك مابقي لنا من أعمال صالحة..
ان كلمتتنا ستضل عرائس من الشمع فاذا متنا في سبيلها دبت فيها الحياة