يتردد كل يوم في الإعلام وفي مجالس الناس أحاديث نكبة غزة، الشهداء والجرحى من (الأطفال والنساء والشيوخ) الذين قضوا تحت سمع العالم وتواطئ الحكام الذين لم يعودوا يستحقون ثمن الحبر الذي نكتب به عنهم أو الوقت الذي نقضيه في شتمهم… هذا الحديث وهذا التجييش في مواقف الشعب المسلم يعيد للإنسان شيئا من آمال لم تخبُ يوما بأن مصير الأمة وقدرها هو النهوض والصحوة العارمة التي نرجو أن لا تخبو هذه المرة إن شاء الله.
الجزء الناقص في هذه القصة -وهو ما أكتب هنا لأجله- هم الرجال الذين رصوا الصفوف وتقدموا الأمة في جبهات تطاير الرؤوس والتحام الجنود. إنهم فخر هذه الأمة وعزها الذي لن ينساه تراب غزة وأزقتها وشاطئها… إنهم زين الشباب وصفوة الرجال، إنهم المجاهدون الذين وقفوا في وجه أعتى جيوش المنطقة -أو كما قيل لنا على الأقل- ليحطموا ما تبقى من صورته وليظهروا لكل العالم جبنه وانهزامه حين يقالتهم من وراء جدر المصفّحات والطائرات فلا يزيدهم هذا إلا تصميما على الثبات والفوز بإحدى الحسنيين.
إن من سقط من هؤلاء الرجال وأطلق رياحين الشهادة -كما نحتسبه على الله- لهو أحق وأجدر بالحزن والتحسر منا من غيره، وهذا ليس تقليلا من الحزن على غيرهم أو غبطتهم على الفوز بالشهادة، لكن من يستشهد من هؤلاء الأبطال يذهب بفقده إما حافظ للقرآن ربيب للمساجد أو مخطط استراتيجي أو -في أقل أحواله، وما أكثر القليل هنا- رجل يحمل هم الأمة بين كتفيه، ويضع رقبته فوق حد السِّنان متقدما الصفوف باذلا وسعه لصد العدوان وردع الغزاة الغاصبين. أليس هذا وغيره من إخوانه هم خسارتنا الكبرى التي يجب أن نعمل على ردم ما انهدم منها وتدعيم ما تبقى؟
ما دعاني إلى هذا القول هو ما نراه من تحويل مريب لهذه القضية إلى قضية إنسانية بدلا من كونها قضية أمة وحق اغتُصب وقضية وجود لملايين أخرجوا من أرضهم وجاء اليهود ليحتلوا مكانهم. في هذه الأيام، لا صوت يعلوا فوق صوت أطفال غزة، مدارس غزة، بيوت غزة… أما الحديث عن مجاهدي غزة أو عن مساجد ومعسكرات غزة فحديث يجري التكتم عليه بنية أو بدون نية، في تجريد لغزة من شرفها الذي قاتلت من أجله واستبسلت كل هذه الأسابيع. غزة لم توجد لكي نتباكى عليها أو نثبت شاعريّتنا إزاء ما يحصل لها… إن في غزة من الأطفال والرجال والنساء والشيوخ من يرجح بهم ميزان الإرادة والتصميم دوننا جميعا؛ إنهم يحفرون الصخر لينتزعوا حريّتهم واستقلالهم غير منتظرين منا أطنان الكلمات وبريق المواقف والتعاطف الذي لا يرد شهيدا ولا يكف دموع ثكلى.
غزةُ لم تُقصف لأجل قتل الأطفال والنساء، لقد قُصِفَت لأن مشروعا مخيفا كان يولد هناك. مشروع يشترك في كرهه -قصدا أو سهوا- اليهود وبعض المسلمين بعضهم من ذوي اللحى والمشالح باهظة الثمن… أما اليهود فأسفروا عن كرههم ورعبهم من هذا المشروع قصفا لم تشهده لندن إبان الحرب العالمية الثانية، أما الآخرون فمنكبّون على دراسة (موانع الجهاد) أو تصدير كتب من قبيل (منهج السلف في طاعة ولي الأمر)، بل إن أحدهم قد جاوز ذلك كله وصرح على قناة فضائية بأنه “قد اتصل بالإخوة في غزة وأبلغوه أنهم لا يحتاجون إلى مزيد من الرجال بل يحتاجون منا إلى الدعاء!” هذه الحرب الضَّروس التي يكمل بها بعض المسلمين الحرب الشاملة على الأمة هدما في ثوابتها وتثبيطا لها عن السعي لتحرير الأرض وإقامة العدل تقدم أكبر دعم لليهود في حربهم ضد الصامدين في غزة وتسهم في تشتيت جهود الأمة نحو تعاطف إنساني ينتهي بانتهاء العدوان الحالي ولا يلتفت إلى لب القضية وأصلها.
إن التعاطف الإنساني نوع من التكاتف المطلوب بين أبناء الجسد الواحد لكنه ليس هدفا إذ أنه ينتهي عند انتفاء أسبابه. التعاطف مع “المدنيين” في غزة أمر طيب لكن لا يجب أن يكون على حساب نسيان تضحيات “غير المدنيين” التي أذهلت العالم وأضافت غزة إلى مصاف مدن الاستبسال والبطولة من جنين والفلوجة إلى الجزائر وسيدي يوسف وغرناطة في أقصى المغرب الإسلامي. إن إمداد المجاهدين المرابطين في غزة تحديدا وفلسطين عموما -بعد أن نحتفل بتحرير الضفة السليبة من اليهود وأعوانهم- بالنفس والمال والمؤازرة الشعبية في هذه اللحظات المفصلية في تاريخ الأمة هو أمر لا يحتمل التأجيل أو انتظار انتفاء (موانع الجهاد) المزعومة. المجاهدون في غزة يخوضون الآن معركة ربما هي أشد عليهم من القصف والاجتياح البري، إنها معركة لكسر عظمهم وشوكتهم وانتزاع الاستسلام منهم على طاولة السياسة. تشارك في هذه الحرب جهات كثيرة تتقدمها للأسف جهات محسوبة على العرب وحتى الفلسطينيين تسعى بكل ما أوتيت من قوة وأوراق ضغط لهزيمة المقاومة سياسيا بعد أن خاب رهانهم على أصدقائهم الإسرائيليين.









