أكثر من يتأمل في ألفاظ لغة ما هم المترجمون، فعندهم سوق المقارنات والمفاضلات والمراجحات في الكلمات رائجة تستقطب منهم الكثيرين. في بداية دراستي للترجمة كان أستاذ الترجمة يعقد مفاضلة بين اسم فاعل وصفة، وأخذ يتكلم عن مناسبة أي منهما لهذه اللفظة. ربما كان الأمر صعبا بالنسبة لطالب جديد أن “يتحذلق” ويأتي بمثل هذا الكلام الغريب، لكنني في النهاية آمنت بأن المترجمين هم المتهم الأول في فساد اللغة التي نتحدث بها اليوم! ربما كان هذا رأيي أثناء تلك المحاضرة العابرة، لكنه ترسخ بمرور الأيام، وهئنذا أكتبه اليوم بعد أن أتممت عاما على تخرجي.
كثير من الألفاظ الدارجة اليوم هي تعريب لألفاظ أعجمية، خصوصا عندما نتحدث عن مصطلحات تقنية أو علمية، ولعل هذه “المدونة” خير شاهد على هذا. الأشياء لا تختلف، وصفنا لها هو الذي يختلف، وكذلك التصور -الذي يكون في العقل الباطن، كما سيأتي-… مشكلة هذه الألفاظ المعربة أن بعضها قد لا يكون صادرا عن ذي اختصاص باللغة، الناقلة أو المنقول عنها، أو كليهما -وهو كثير بالمناسبة!- فيحدث الخطأ. هذا ليس مدار حديثنا هنا؛ لأن الترجمة -في نهاية المطاف- جهد بشري يحتمل الخطأ والصواب، ولأنها أيضا ليست عِلما كما يظن البعض، وليست فنّا كما يظن البعض الآخر، بل هي مزيج بين الاثنين. هي علم باعتبارها ذات قوانين في نقل النص وتأدية قواعده بشكل صحيح، وهي فن بانتقاء الكلمات المناسبة ونقل “روح النص” إلى اللغة الناقلة، كما يُعرف عنها تعدد الحلول وخضوعها لوجهات النظر المختلفة وهو الأمر الذي لا يمكن أن يكون في عِلم ما.
هذه الترجمة هي مدار اتهامنا هنا، أما مصدر هذا الاتهام فيتعلق بتراكم أخطاء وقعت فيها الترجمة -حسب وجهة نظري- عند استحداث بعض الألفاظ وتم تداولها على نحو واسع دون تدقيق في أصول الكلمات واشتقاقاتها المختلفة. والأخطاء هنا على شقين: لفظية تتعلق بالترجمة الحرفية أحيانا لبعض المصطلحات، أما الثانية -وهي الأهم- فهي أخطاء معنوية ربما أريدَ من خلالها تمرير بعض المعاني أو طمس بعض الحقائق، لأهداف مختلفة.
الشق الأول من هذا هو اللفظي، فكلمة مثل Goal تمت ترجمتها بشكل حرفي إلى “هدف” والتي تتضمن معاني مختلفة: المرمى، وضع الكرة في المرمى، ما يطمح الإنسان في الوصول إليه، نقطة الوصول في رحلة. هذا المعنى يستخدم على نطاق واسع للتعبير عن “وضع الكرة في المرمى” دون التفكير بهذا المعنى وهل يناسب استخدام كلمة “هدف” للتعبير عنه في لغتنا العربية. لا أعتقد أننا يجب أن نلتزم هنا باللفظ الإنجليزي حرفا لأن ظروف اللغات تختلف، وأداء المعنى في لغةٍ بشكل صحيح لا يعني تأديته بذات اللفظ في لغة أخرى.
الأمر نفسه ينطبق على Sex التي تدل على المعاشرة كما تدل على الانتماء إلى أيّ من الجنسين اللذين يتشكل منهما غالب الكائنات الحية: الذكر والأنثى، والتي تمت ترجمتها إلى “جنس”. هذه الكلمة ترجمة صحيحة ولا غبار عليها للمعنى الأخير، لكنها ترجمة حرفية تم اعتمادها بالقوة لتعبر عن المعنى الأول. يكفي هنا الإشارة إلى مثال “ممارسة الجنس” ليتبين كيف نستخدم أحيانا بعض الكلمات دون أي تفكر في ما يمكن أن تعنيه تلك الكلمات. ثم، نحن بشر لم ننزل من المريخ أو الزهرة، وقد استخدم الناس عبر كل القرون الطريقة ذاتها للتناسل وعبّروا عنها بالكثير من الكلمات، هل فنيت جعبة العرب إلا من هذه الكلمة المجهول نسبها؟
أما المعنوي، الشق الآخر من هذا الحديث، فلا نعني به صحة الاشتقاق من عدمه بل نوعية الكلمة المختارة والتفضيل الذي تحظى به كلمة دون أخرى… فحين يوصف ما يقوم به المسلمون الأحرار في فلسطين والعراق والصومال وأفغانستان وغيرها من ثغور المسلمين -في أحسن الأحوال- بالـ “مقاومة”، إعراضا عن كلمة أخرى تؤرقهم ولا يحبون الحديث عنها وهي “الجهاد” فلا يمكن أن يوصف الموضوع هنا بالنزاهة أو الموضوعية. إذا كان هؤلاء قد تركوا ما يملكون رغبة في أن تكون كلمة الله هي العليا واصفين فعلهم هذا بأنه “جهاد” فلماذا الإصرار إذن على مصطلح آخر ليس له في تراثنا العربي أي معنى؟ أما حين نتأمل اللفظة (المقاومة) لنسبر معناها فنجد أنها تدل على معان من الصمود والدفاع، لكن هذا جانب وحيد من القصة يتعلق بجهاد الدفع في الإسلام فماذا عن جهاد الطلب؟ هل يعني هذا أن جهاد الطلب مجرّم حين نتحدث عن العمليات الاستشهادية في فلسطين وغيرها؟
مثال أخير على كل هذا: عند الحديث عن الجرائم، لماذا تستخدم كلمة “اغتصاب” عند التعبير عن تجريم اعتداء الرجل على المرأة المحرمة عليه عوضا عن استخدام كلمة “زنا” الواردة في القرآن الكريم والتي تعاقب عليها الشريعة الإسلامية؟ ألا يتعلق الأمر هنا بتمرير مفهوم ما؟ حين نتأمل في مفهوم كلمة “اغتصاب” فهي تعني الإجبار والإكراه على فعل المعاشرة… ماذا إذن لو تم هذا الأمر بالتراضي بين الطرفين؟ هنا يتم تغيير التعبير ليصبح (اللقاء، الحب، موعد غرامي…) في تحييد لأي معنى ديني في القضية رغم أنه منصوص عليه في الفقه الإسلامي ومُعبّر عنه “بلسان عربي مبين” في القرآن الكريم ومتفق عليه بين العرب -الذين يدين غالبيتهم بالإسلام-. أليس الأمر مجرد ألفاظ أم هو أبعد من هذا؟ ألا تعبر الألفاظ -أحيانا- عن نوايا قائلها؟ يجدر بنا إذن الوقوف والتفكر في كل ما تنتجه وسائل الإعلام المشبوهة أصلا من ألفاظ ومفاهيم يُراد تمريرها على عقولنا الباطنة وعدم السماح لهم بفعل هذا ومحاولة استغلال كل الفرص لرفع الوعي لدى أبناء الأمة، ولعل ميدان المصطلحات والمفاهيم حافل بكثير من هذا التجاذب.










لا أذكر في هذا المقام إلا كلمة د/ عبدالفتاح عبدالحليم مفتاح رحمه الله:
(المترجم خائن) أو Translator is a traitor، ولافرق بين أن يتعمدها وأن تكون رغم أنفه فالحكم ثابت!
أخي العزيز، إن ما كتبته هنا يدل على النزعة العطيليّة فيك
أعجبني جدا حديثك المسهب هذا عن الترجمة و علاقتها بـ “الإديولوجية”.
أعتقد أن القسم الأخير من كلامك لا يمكن ربطه بالترجمة، لأن كلا المصطلحين “مقاومة” و “جهاد” عربيّين. ربما أولى أن نناقش مثل هذه الظاهرة تحت مسمّى “إستخدام اللغة لخدمة توجّهات سياسية، إيديولوجية، إلخ ..)
أما الترجمة بهذا الخصوص يمكن طرحها في سياق المقارنة بين مصطلحات غربية و نظيرتها العربية، مثل “Persian Gulf” و “الخليج العربي”، و ايضا مثل “voilance” و “مقاومة”. و غيرها من المصلطحات الكثيرة التي تترجم لتخدم مصالح معيّنة و “أجندات” سياسية بتنا نعرفها.
في ما يتعلق بالترجمة الحرفية، فلا أعتقد أن كلمات مثل “sex” تندرج تحتها، لأنه معروف أن الكلمات قد تحمل في طياتها معاني و دلالات كثيرة، و القواميس العربية تحسب حساب لهذا، فإذا فتحت القاموس و نظرت في مفردات كلمة sex ستجد أن جميع المعاني مندرجة.
ترانا متفقان؟
دمت متميزا كما عهدناك.
– أهلا عبدالله،
مع احترامي وتقديري لوجهة نظرك والكاتب الذي نقلتَ عنه فأجدني أعترض بشدة على هذا الكلام لما فيه من تعميم غريب وغير منطقي.
ربما نتحدث عن مجموعة من الكلمات، لكن الأمانة في النقل هي الشرف الذي يدافع عنه أي مترجم. ربما كان فهمي خاطئا لهذه العبارة، وأرجو أن يكون كذلك.
دمت بخير.
– عونيــ، يبدو أنني في حاجة إلى توضيح منك حول طبيعة هذا الـ “عطيل” الذي تعني
الجزء الأخير من الكلام كان مخصصا للحديث عن المعنوي، أو المتعلق بالمعنى لا اللفظ. أتفق معك أنه بعيد قليلا عن الترجمة، لكنه من صميم الأشياء التي تتعامل معها الترجمة وهي المعاني والدلالات.
بالنسبة للخليج الفارسي (العربي) أو العنف (المقاومة) فلا أعتقد أننا سنختلف حول ترجمة violence مثلا، أو أننا سنترجمها بـ “مقاومة”. ما تحدثت عنه في الشق الثاني هو تفضيل بعض الكلام على بعض، وعلاقة ذلك بالإيديولوجيا
بالنسبة لكلمة sex فأتفق معك 100% بشأن تعدد المعاني، لكن هذا التعدد في معاني كلمة ما لا يعني تحويلها إلى كلمة متعددة المعاني في لغة أخرى! فاللغات والمدلولات الثقافية تختلف جذريا بين اللغات والشعوب المختلفة.
دام هذا التواجد.
أهلاً يا صديقي
وأسعدت صباحاً ..
موضوع جميل جداً ، مع أن الجزء الأول يختلف عن الجزء الأخير
أعتقد أنه يجب أن نقف أمام مثل هذه الترجمات المسيئة أحياناً .. ذلك أن أعلم المترجمين يكونوا من العرب لكنهم مارونيين أو من أي ديانة أخرى ! فالمبادئ الإسلامية لن تكون موجودة عندهم.
سعدت بهذه التدوينة
بسم الله الرحمن الرحيم
صادف أن أنهيت اليوم عملاً أقوم به لأول مرة، طلب ترجمة لحلقة ” أنمي ” وهي لفظة سيقت حرفياً للعربية، قيامي بهذا العمل البسيط بمحتواه، المتعب في أدائه خوّلني لإبداء رأيي هنا.
أرى أن الترجمة والتعامل مع الألفاظ وصياغتها، وتنسيق ترادف الكلمات واخراجها على الوجه اللائق الصحيح مع مراعاة أحوالها من أصعب ما يكون! ولا أتصوّر أن يتعمّد المترجم تغيير الألفاظ و وضعها في غير موضعها، كما لا أتصوّر أن يتعمّد المغني أداء أغانيه بصوت قبيح.
الترجمة تحتاج سعة اطلاع في اللغتين من ثقافة أهلها، ونمط حياتهم، المترجم غير مخيّر دائماً باختيار الألفاظ، بل مُجبر أحياناً! فإن كنت تترجم لفلم قتالي لن تختار الألفاظ الطفولية، لأن أحداث الفلم تحتّم عليك استخدام نوع معيّن من الألفاظ لإيصال اللفظة بشعورها ومعناها.
ثم إنه لا ضرر أن تتكرّر اللفظة في غير موضع كـ ” هدف “، إذ أن من المعلوم أن المعلّق الرياضي إذا قال ” هدف ” لا يقصد ما عناه المثقّف من ” هدف ” بل رغم تشابه اللفظ اختلف معناه، لاختلاف موضعه، ولم تشذ الترجمة.
أو تكون اللفظة مما تعارف عليه الناس في هذا الموضع، ففي الصحف تعارف الناس على لفظة ” اغتصاب ” الدالة على الزنى المحرّم والإعتداء، أو كان عن تراض بينهما فإنه يظل زنى محرّم، فاللفظة دالة على معنى ثابت وهي الزنى، وعدم استخدامها ليس لأمر، إلا لتعارف الناس باستخدام الصحف والمجلات للفظة ” اغتصاب “.
أما ” الجهاد ” فأنواع.. جهاد دفع، وطلب، وجهاد نفس! وتحويرنا لجهاد الدفع على أنه ” مقاومة ” ليس دحضاً وتدليساً لجهاد الطلب، بل إبرازاً لمعنى وافق المقصود دون اخفاء لغيره أو إنكار. كما أننا لم نذكر جهاد النفس، لأن الحاصل الدفع، وهي مقاومة العدو وردعه.
المترجم لا يتحذلق! وإلا لضاع هدف الترجمة أصلاً وهو إيصال المعنى والشعور المرادف للفظة في لغة إلى أخرى دون إخلال بإحديهما.
صادفتني كلمة في الحلقة وهي: ” Mainland ” في الحقيقة صعب علي ترجمتها، هل هي الأرض القارية؟ أم شبه الجزيرة الساحلية؟ أم الأرض الرئيسة؟ انتهيت بترجمتها إلى أرخبيل! لفظة أعجمية مبهمة مثلّت المعنى خير تمثيل!
في النهاية كما قلت أنت المترجم مجتهد في اتقان عمله، بزيادة فنّه وعلمه يزيد اتقانه في عمله.
كما أشيد بهذه الجملة المصفوفة: ” لا أعتقد أننا يجب أن نلتزم هنا باللفظ الإنجليزي حرفا لأن ظروف اللغات تختلف، وأداء المعنى في لغةٍ بشكل صحيح لا يعني تأديته بذات اللفظ في لغة أخرى.” فهي بالذهب عندي موصوفة.
بارك الله فيك، وزادك أدباً وعلما.
أعرف أنني تأخرت كثيرا ، وأعرف أنك قد تكون عدّلت أو طوّرت بعض أفكارك فذ هذه التدوينة . ومع هذا يسعدني أن أدخل في نقاش بعض ما ورد في موضوعك هذا .
أخي متعب ، أنت تُضيّق واسعاً بارك الله فيك . وأخشى أنك تتخيّل مؤامرة جديدة والأمر لا يتعدى أن يكون طبيعة بشرية . ولا مشاحة في الألفاظ ، هي مؤامرة أو شبه مؤامرة عندك ، وهي ذاتها طبيعة بشرية عندي . الناس تُحب أن تنقل إلى غيرها ما ألفته وتراه سائداً . من يُطلق على (الزنا) علاقة أو موعد كما ذكرت هو يروّج لما يراه ، ومن يُسميه (زنا) هو يُروّج كذلك للمفهوم الإسلامي الذي يراه ويرتضيه . ولكن الكلمات صحيحة مؤديّة للمعني في الجانبين . بغض النظر عن التقييمات الأخلاقية .
قديماً وحديثاً يُقال فلان أفصح من فلان لأنه يتميّز باختيار الكلمات المؤدية للمعنى تماماً ، فلا يصلح أن يقول مطراً وهو غيثاً أو وبلاً . وتعرف كما أعرف أن الناس يستخدمون ذلك اليوم ، حتى المشايخ والخطباء للأسف ، وكأنها تؤدي نفس المعنى .
الحديث طويل ، وأنا أطلت وهذا دليل على قلة الفصاحة . ولكن ما أردت قوله هو أن ما ظننته جديداً في مدونتك هو قديم جداً ، ومن راقب القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، والنصوص بمختلف فنونها في تراثنا تكشّف له الكثير الكثير .
تحياتي لك . وسعدت جداً بالوقوع على هذه المدونة .