ربما لم يعد من قبيل إفشاء السر حالة العداء والكراهية التي تجتاح مشرقنا العربي تجاه إيران، حالة تظهر في صورة “تخوين” تارة، وتظهر أحيانا بصورة “الكيد والمؤامرة”، لكن ما هو أكيد هنا أن إيران تُعتبر في نظر كثيرين عدوا يجب تظافر الجهود لدحره و”شيطانا أكبر” ساهم في تردي الأمة ويتآمر يوميا مع أعدائهم الذين يلعنهم ألف مرة في العلن. أقول “مشرقنا” لأن الكلام مختلف في شِقّنا المغاربي، ربما لأنه لم يتأثر كثيرا بآلة الإعلام التي تنشط في المشرق، أو ربما لأنها لا تتحدث بلغته ولا تشكي همومه. لكن الواضح أن إيران هي مدار حديث العالم اليوم، ببرنامجها النووي المثير للجدل، وبتحديها الدائم للغرب الذي يريد احتكار سبقه التقني المتمثل في الطاقة النووية، في تفكير استعلائي واستعماري ليس مدار حديثنا اليوم.
بدأت الثورة الإسلامية في إيران مع سبعينات القرن الماضي كتراكم لمواقف وضغوط سياسية واقتصادية في ذلك الوقت أدّت بالكثيرين في إيران إلى “رفض” الشاه الذي اعترى نظامه الملكي التصدع والفساد وإلى التفكير الجاد بالتخلص من حكمه، وهو ما التقى مع طموحات الإمام الخميني (نسبة إلى قريته: خمين) في تكوين ولاية إسلامية شيعية على ضفاف الخليج الفارسي. تواصلت الضغوط الشعبية بتأثيرات خارجية من الخميني المنفي من إيران لـ ١٤ عاما وتُوّجت هذه المظاهرات والجهود بإبعاد الشاه عن طهران ووصول الخميني في الأول من شباط ١٩٧٩.
وصلت الرسالة إلى الولايات المتحدة وحلفائها العرب كالصاعقة؛ حيث أن إسقاط نظام ملكي من قبل بعض “الراديكاليين” وإنشاء جمهورية إسلامية يعني إمكان قيام تجارب مماثلة من قبل متحمسين متبنين لقيم الثورة التي جاءت بها هذه السلطة الجديدة، فقامت بعد ذلك محاولة أمريكية لإسقاط النظام تبعها تدخل عراقي بدعم أمريكي-عربي في حرب دامت ٨ سنوات لإنهاء تصدير الثورة انتهت بخسارة الجميع.
كنتُ في بعض نقاشاتي مع الأصحاب أوحي لهم أننا وُضعنا في إطار تصادمي مع أفكار أو جهات من غير اختيارنا أو رغبتنا، لذا فقد يستلزم الأمر مراجعة بعض المواقف التي لم نخترها، والنظر بانفتاح لبعض القضايا التي يؤخذ القرار فيها دوننا. من هذا موقفنا تجاه إيران والتجييش الذي نساهم فيه دون تمحيص أو تفكر إلى الدرجة التي أصبحنا فيها ندعو عليها وعلى مذهبها ما لم ندع به على الصهاينة الغاصبين أو أسيادهم المحتلين، وصار اللعن واللعن المضاد سمة لكل حوار يدار في هذا الشأن. هذا التجييش ليس صورة مذهبية فقط، بل قد يأتي في صورة طموحات “غير مشروعة” لإيران تقنية ونووية وتساؤلات عن الجدوى و”المستهدف”، كما قد يأتي في صورة اتهامات بالعمالة الإيرانية لأمريكا والغرب.
وجهة نظري في هذا الموضوع أن الصورة قد تكون مشوهة عمدا، وأن الله لم يخلق شرا محضا، ولا خيرا محضا، بل هناك نسبية تحكم المسألة. التشويه العمد هنا قد يكون لغرض تشويه الحكم الإسلامي بعامة -رغم إيماني بالاختلاف العميق بين التجربة الشيعية والسنية في هذا-، وقد يكون التشويه ببساطة جزءا من استراتيجية منع تصدير الثورة الذي تنتهجه الدول العربية. هذا في ما يتعلق بالتشويه العربي، أما التشويه الأمريكي لهذه الصورة فقد نجح في خلق عدو جديد للمسلمين تمثل في إيران الفارسية “الرافضية” التي فتكت بالعراقيين عبر دعم المليشيات وقتل المسلمين السنة… الأمر الذي نجح في كبح المقاومة العراقية وتخفيف حدّتها مع وعد الأمريكيين لشيوخ العشائر بتخليصهم من إيران إن هم خلّصوها من المقاومة، ومن القاعدة تحديدا.
إن المسلمين اليوم في ضعف واستهداف لا يجعل من الوقت مناسبة لتهييج الأحقاد والكراهيات بين بعضهم البعض، كما أن عدوهم المتربص قد نجح -بشهادة المسلمين أنفسهم- في إيقاد العداوات المذهبية والعرقية تأجيجا للفتن وزرعا للعداوات. لن أقول أن إيران دولة ناصعة السمعة والتاريخ، لكن أن نسمح لعدونا -وأعوانه- بتحديد مواقفنا من الآخرين اعتمادا على أخبار (قد تكون ملفقة) ونحن في حال حرب معه، فهذا هو الخطأ الذي برأيي يحتاج إلى معالجة وإمعان نظر.










إن استطعت أن تطّلع على كتاب “وجاء دور المجوس” فهو جيد في هذا الموضوع، ورغم أن مؤلفه قد ألفه قبل أكثر من خمس وعشرين سنة، إلا أننا كل يوم نرى جزءاً من الكتاب يتحقق.
السلام عليكم أخي عبد الله
تدوينة قيمة ونظرة عقلانية ثاقبة هي نظرتي للامر..
نعم قد تشكل إيران خطراً علينا ولنا الحق أن نخاف منها.. لكننا للأسف كلعبة الأراكوز.. تحركنا القوى العظمى فغن قالوا لنا إن إيران تشكل خطرا عليكم..تبنينا ذلك وأنشئنا الأحلاف ضدها.. وإن قيل عكس ذلك..تغيرت مواقفنا..
فمتى نحترم أنفسنا ونستغل قوتنا ومواقفنا وإمكانياتنا كما تفعل إيران..؟؟
البعض يقول إن أمريكا وإيران متفقتان وربما بالغ البعض فادعى عمال الثانية للاولى ..واللبس الذي يحصل هنا هو أن إيران قوة إقليمية لا ترضخ وتعرف مكانتها جيدا.. لذلك تراها تارة تتفق مع أمريكا وتارة تختلف معها ، والتعامل يكون يمنطق الندية لا يمنطق الأوامر..عكسنا تماما
والآن انظر كيف تغيرت اللهجة مع مجيء أوباما ولا أدري وقتها ماذا سنفعل.. وكيف لنا أصلا أنا نواجه خطر دولة بنت مقدرات عسكرية وعلمية هائلة وبمواردها الذاتية بينما نحن أجزم بأننا لا نستطيع الصمود أيام أمامها إن حدث شيء لا سمح الله
كل التحية