قد لا تكون عصور التخلف العربي التي عاشتها الأندلس ردحا من السنين هي أكثر العصور وطأة وضعفا، ذلك أنهم في تلك الأيام كانوا يتكئون على إرث حضاري وفكري غزير حفلت به الدولة الإسلامية هناك زمنا غير يسير. لذا فقد كان لديهم ما يمكن المفاخرة به أو عدُّه “حضارة” ورثوها عن أسلافهم السابقين، إنجازات علمية وهندسية جعلت أوروبا تضع الأندلس تاجا على رأسها ٧٠٠ عام أو تزيد، قبل أن يعمل الترهل في المسلمين عمله، ويجهِز على ما تبقى من قوّتهم سالبا منهم كل ما أنجزوه عبر قرون من الثراء والقوة.
هذا على الأقل ما كانوا يتكئون عليه، وحُق لهم ذلك، أما مشهدنا العربي والإسلامي اليوم فلا يختلف كثيرا عن سلفه من حيث تردي الحال واستقواء الأخ على أخيه بسيوف العدو والتباري في “من أشد منا عمالة”… لكنه زاد عليه حين أصبح يبشّر بـ “حضارته” التي ورثها عن أسلافه، رقصا وطربا و”فلكلورا”. فمن العرضة في الخليج إلى الدبكة في الشام وغيرها ألوان تعلق بماضٍ من التعصب القبلي والنفوذ الأجنبي يبدو أنه لم يتغير كثيرا لدى البعض.
قبل أقل من شهر تقريبا اختتم في واشنطن مهرجان استعراضي من ذات النوع الذي ذكرت. أكثر من ٨٠٠ فنان وفنانة من العالم العربي شاركوا في إحياء ليالي هذا الاحتفال الذي استمر لثلاثة أسابيع مشتملا عروضا من المسرح والشعر والغناء والرقص العربي الشرقي.
لا أدري حقيقة، أمن ماضينا أخجل أم من حاضرنا المأساوي. هل تراثنا مليء بالفرح إلى هذه الدرجة؟ أم هو “الجانب المشرق” من تراث الآباء والأجداد؟ تراث الكد والفقر في كبد صحراء الجزيرة وتراث الاستعمار والامتداد الغربي في بقية الدول العربية.
ما يؤلمني أكثر هو نقاش مع أحد من أعدهم شخصيا مثلا أعلى في طريقة التفكير والثقافة والاطلاع، حدثته عن الموضوع فكان تعليقه -كما الكثيرين- أن هذا النوع من الفلكلور كان تعبيرا عن الانتصار في المعارك، لذا فهو يعبر عن قيمة إنجاز وشعور بالفخر والقوة. عجبي هنا ليس من هذا الادعاء بحقيقة ما كان، بل عجبي الأكبر هو من صياغة هذه “الرقصات” في صورة إنجاز، وأي إنجاز في الإغارة على البلدان المجاورة أو الاستيلاء على المدن بحجة “الحق التاريخي” تارة، أو تعليق ذلك بالدين وحمايته كما لا يزال يذكر إلى الآن، تارة أخرى؟
أعود إلى الجانب المشرق منّا في عود “مارسيل خليفة” وخصر “كريمة منصور”. إن حضارتنا وموروثنا الحقيقي هي في إنجازاتنا وإسهاماتنا في الرقي بالبشرية، بدءا من أعظم حضارة نشأت من عُرُش المدينة المنورة وانتهاء بأحمد زويل العالِم وسفير العقل العربي والمسلم الذي أثبت لنا أن العقل العربي ليس بحاجة إلا إلى تحرير عقله من زيف موروثات يعدّها “عادات وتقاليد” أحيانا، وشيئا من الدين أحيانا أخرى، وهنا طامة أخرى.










أتفق معك في كثير مما قلت أخي متعب. المبالغة في النظر إلى الفولكلور بحيث يغطي على كل شيء هو أمر غير “صحي”.
إلا أنني في الوقت نفسه أجد التراث يُثري عالمنا العربي و يضفي عليه صبغة جميلة. جميل أن يكون لدينا الدبكة و مثل هذه الأشياء في مختلف الدول العربية، و إلا فسنكون شعوب مصنوعة من ورق.
أراها إنجازا .. و لكن عندما تصبح هي وحدها ما يحدد هويتنا، لابد عندها أن يتدخل الأطباء.
ربما يكون إنجازا كما هو حال السرقات مثلا .. إنجازات هي قام بها أصحابها . لكن السؤال : هل هي إنجازات تستحق الفخر ؟ هل هي إنجازات تصب في السبيل للنصر ؟ .. و ، بل ، هل يدخل الكثير منها فيما يحل شرعا ؟
كنا في ذكرى تتعلق بفلسطين ، نجتمع و ندبك دبكة فلسطينية و الحطّة على أكتافنا على أنغام أغنية “تراثية” لفلسطين . كلما ازداد أسانا ، ازددنا دبكًا و أطلنا .
حتى أتت مدرسة فلسطينية عرقلت سير دبكتنا و أغلقت الأصوات .. ثم قالت :
“نحن لا نرقص على آلامنا ، و لن يحقق لنا الدبكُ نصرًا نرجوه”
بت أؤمن أن الدبكة / العراضة / … إن كانت مما يصب فيما يستحق الفخر ، لكان قد سبقنا إليها خير العصور ، عصر رسول الله عليه السلام .. فإن لم يكن فعصر الصحابة فالتابعين . إنما الإنجازات هي ما يخدم هدف وجودنا في هذه الدنيا ، ولا أظن للرقص / “الفولكلور” في ذلك سبيل .
بارك بك الله و أحسن إليك .
و شكر الله للفاضل متعب و بارك له في هم يحمله .
المبكي .. أن تلك الحضارة الطربية هي ما تظهر حال الانتصار .. والأكثر بكاء أنها نفسها السبيل والحل حال البلاء.. وتتنشر في حالات حاجتنا لمزيد من التوسل إلى الله .. لتكون هي البديل لذلك ..
حفلة فنية ذات خصر .. ريعها من أجل أطفال ….. وفي كمل مرة أكمل الفراغ!
أولاً أنا لدي عتب وملاحظة على المقال وصفك للحضارة الإسلامية في الأندلس بعصور التخلف العربي وصف فيه الكثير من المبالغة والإجحاف فلا أحد يخفى عليه الماضي المشرق للمسلمين في الأندلس ، وحقاً هذه الحضارة أصابها الوهن والضعف عندما استغرق أهلها في حياة اللهو والنعيم ودبت الخلافات بينهم ولكن حتى في لهوهم وضعفهم كان هناك حضارة وإبداع فهم من اكتشف الموشحات الأندلسية وهم من أبدعوا أعذب وأجمل الألحان الموسيقية والشعرية
لايعني ذلك تأييدي لحضارة الطرب التي نعيشها ولكني مغرمة بالحضارة الأندلسية والأدب الأندلسي
لك فائق شكري