غادر أهلي اليوم المنزل متجهين إلى الطائف، ومنها إلى مكة المكرمة لأداء العمرة. لم يكن فراقهم لي فجأة، بل جاء بعد أسابيع من التخطيط والمشاورات. بعد أن أغلقوا الباب خلفهم، نظرت إلى البيت وقد أصبح خاليا، لم أتمالك دمعتي؛ لقد كان قبل دقائق يعج بالحركة قبل أن تنطفئ في غمضة عين. تأملت أركانه، أثاثه، وتذكرت أهلنا في فلسطين… أدركت كم عسير هو فقد البيت، الذكريات، الأماكن. ليس البيت فقط كومة من بناء، بل كأنه فرد من العائلة، يفرح لوجودهم ويذبل حين غيابهم.
حمدت الله، حيث أقف في بيتنا، بينما يقف آخرون في العراء وآخرون يسكنون خشاش الحديد. أقف، بينما آخرون مكبلون للجلوس، معصوبوا الأعين، لا جرما اقترفوا سوى أن عدوهم لا يرحم. أدركت، بينما وقفت أنسج الذكريات، أن الدنيا متاع زائل، وأنها كالبيت، لا بد أن تخلوا يوما من الساكنين. أدركت أننا عمون في انطلاقتنا إلى الدنيا وركضنا فيها، أنها ليست سوى بيت صغير بالنسبة لعالم فسيح. عالم يحدده طبيعة عملك داخل هذا البيت، إن عملت خيرا، فخير وروح وريحان… وإلا، فالخسران، حيث لا يجدي ندم.
تعلمت من بيتنا أن الوقوف في وجه الصعوبات يستلزم أسسا متينة. فحين تتعرض جدرانه لشتى عوامل التعرية، يصمد بقدر ما تكون المواد المستخدمة في بنائه متينة وصلبة. إنه لا يتزحزح مع شدة الرياح وقوة المياه الجارفة؛ لأن أساساته تنغرس عميقا في الأرض لتؤمّن له ثباتا وشدة لا تتآكل مع مرور السنين. وهكذا حال المسلم في هذا الزمان المتخم بالفتن والتيارات التي تحاول صرفه عن دينه، فبقدر إيمانه ورسوخه في القلب يقف المسلم شامخا لا ينجرف مع التيارات، ولا ينحني لرياح الفتن.
البيت صديق وفي، كتوم للأسرار، تفضي إليه بكل ما في قلبك، فلا تلفي إلا صامتا حكيما. كم هي متخمة البيوت بالأسرار! وهذا من نعمة الله علينا، أن ستر علينا ذنوبنا في الدنيا، ونسأل الله أن يغفرها لنا في الآخرة. تذكرت، وأنا بين جدران البيت، نظر الله إلي وقربه مني، حين أبتعد عن عيون الناس وأسماعهم. تذكرت كم أعصي، ويستر الله علي، وكيف حالي إذا كنتُ مع مخلوق أسيء إليه المرة تلو المرة، فلا أجد منه إلا كل الكرم والعطاء. كيف سأكون أنانيا وغبيا إذا كان من أسيءُ إليه ولي نعمتي، ومسبغ النعماء علي؟
أسأل الله لأهلي السلامة أينما حطت بهم أرض وظللتهم سماء، أما أنا، فلي مع بيتنا حكاية عشق بدأت للتو!









ردهم الله إليك سالمين..
بوح صادق..
ومشاعر دافئة..
ليهنك عشقك
شكرا جزيلا أخي أحمد، مواساة طيبة
الحمد لله أن ردهم سالمين.
غصب عني انا كده لا اتصور ان هناك احدا خليجيا يوجد في تفكيره واحاسيسه شئ من العمق مثلما صورت لي انت هذا الاحساس الجميل عن الاهل و البيت و لكني لم اعرف انك سعودي الا من اسماء الطائف و مكة التي وردت في موضوعك حاجة غريبة فعلا و صدقني ليس من قبيل السخرية
أهلا tina، سعيد بإعجابك وحزين على هذا التصنيف الجائر للخليجيين. هم بشر يختلفون في مشاربهم ومداركهم والإبداع لا يعرف جنسية ولا جنسا لينفى عن أحد ويحسب لآخرين.
أهلا بكِ مرة أخرى.