في مدونته الرائعة “اصنع دولتك بنفسك” كتب عبدالله المهيري عن ‘الدول المجهرية‘ وضرب بعض الأمثلة عن بعضها وظروف نشأتها وأسبابها. المثير في الموضوع ليس ما كتبه عبدالله عن وجود تلك الدول، ما أثارني فعلا هو ما كتبه عن ‘مملكة تالوسا’ وأنه كان مشروعا لطفل اشتهر بعد أن كتبت عنه النيويورك تايمز!
أمريكا لا تحكم العالم بالحديد والنار أو بالتهديد والقسوة دائما، هناك ما يسمى بـ ‘القوة الناعمة’ التي تجبر الآخرين (طوعا) على انتهاج السياسات التي تريد، وفق رؤيتك الخاصة، دون وخز. ومن أهم الأدوات في لعب القوة الناعمة: الإعلام الذي يحرّك الجماهير ويطيح بالحكام، وهو الذي يضبط إيقاعات ما، تحددها رؤية أيديولوجية وسياسية وفق متغيرات عديدة.
دعونا نذهب بعيدا عن السياسة، عمل الإعلام في توجيه الناس نحو رؤية معينة، أو إبراز شخصية ما وإخفاء أخرى، وفق رؤية يراها القائمون على هذه الجهة أو تلك، عمل خطير ينطوي على نوايا ليست بالضرورة دائما سيئة. دور الإعلام في التوعية والتوجيه رافد أساسي ومهم لتحريك الرأي العام تجاه قضية ما، أو تذويب وإخفاء تلك القضية.
راندي باوش أستاذ في الحاسب الآلي والمماثلة الافتراضية بجامعة كارنيجي ميلون الأمريكية، اشتهر راندي بمحاضرته التي أسماها “المحاضرة الأخيرة” والتي ألف على إثرها كتابا يحمل نفس العنوان يصف حالته بعد إصابته بسرطان البنكرياس ويأس الأطباء من حياته، والدروس التي استقاها والتي من أهمها تحقق أحلامه في الصغر ومساعدة الناس في تحقيق أحلامهم. كان راندي معجبا في صغره بمسلسل “ستار تريك” والبطل ويليام شوتنر أو Captain Kirk كما يصفونه في المسلسل. كان راندي يحلم بالمشاركة في المسلسل في صغره وهو ما تحقق له عام ٢٠٠٨ عندما علم القائمون على فيلم “ستار تريك” برغبة راندي فاستدعوه للمشاركة في الفيلم وأهداه ويليام شوتنر صورته في المسلسل وعليها توقيعه ورسالة منه لراندي أنه “لا يؤمن بالسيناريوهات التي لا تفوز” رفعا لمعنوياته وهي الكلمة التي كان Captain Kirk يرددها في المسلسل.
أن يعجب طفل صغير بممثل فهذا لا يعني أي شيء، لكن أن يكون هذا الممثل “بطلا” في عيني طفل صغير، وحلما أن يشارك في نفس المسلسل يكبر معه حتى الأربعينات من عمره فهذا أمر يستحق التوقف عنده كثيرا. لطالما كانت السينما -بالنسبة للأمريكيين بالذات- مجالا خصبا للتأثير ودفع الناس باتجاه تبني رؤية ما. كلنا يعرف نظرية ‘البطل الأمريكي الخارق’ الذي ينتصر على الأشرار دائما ويصنع المجد لأمته، هل هذه الرؤية موجودة مثلا بالنسبة للسينما العربية؟
عندما أذكر هنا صناعة البطل في السينما العربية أتذكر بفخر أفلاما كـ “عمر المختار” و”الرسالة” صنعت بأيد عربية تعريفا للأجيال بأبطال خلد التاريخ ذكراهم، لكنها كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود إذا قارناها بإنتاج السينما العربية طوال عقود. ترسيخ مبادئ القوة والاعتزاز وروح العمل للأمة وطرد الروح الانهزامية مسؤوليات جسيمة تتطلب إعلاما يتكلم بلسان الأمة ورؤية واضحة لواقع الأمة الحالي، وما يجب أن تكون عليه.










” ترسيخ مبادئ القوة والاعتزاز وروح العمل للأمة وطرد الروح الانهزامية مسؤوليات جسيمة تتطلب إعلاما يتكلم بلسان الأمة ورؤية واضحة لواقع الأمة الحالي، وما يجب أن تكون عليه. ”
جميل منك هذا الموضوع والطرح الرائع .. لفته ذكيه ..
ارجوا منك ان تستمر على هذا المنهاج
لا يمكن لهذا الكلام إلا أن يكون “في الصميم”!
ما تحدثت عنه بالفعل حاصل و قد تطرقت إليه جهات غربية عديدة منها البي بي سي في فيلم وثائقي أنتجته و بيّنت فيه كيف أن الإعلام أو السينما أو المسلسلات يمكن أن “تغسل” دماغ المشاهد دون أن يدري، و هذا ما حصل فيما يخص التدخين الذي كان يُنظر إليه -خاصة عند النساء- في أمريكا على أنه عادة سيئة و شاذة.
لكن و بعيدا عن “الأشرار” الذين يركضون وراء المادة، الذين نجدهم في كل مكان، فإن هوليوود لعبت دورا كبيرا في خدمة القضايا الأمريكية.
ماذا خدمت أفلامنا و أين هو “البطل” فيها؟
مسرحية “مدرسة المشاغبين” قدّمت نموذجا فريدا من الابطال الذين يستهزئون بالعلم و في كل شيء. لكن الجميع أحبّهم لأن إعلامنا مفلس و ليس عنده بديل. هؤلاء أبطالنا الذي أحببناهم و هم أنفسهم الذين خدموا العبثيّة.
لاستخدام الإعلام في توجيه الناس كما يجب لابد أولاً من إغراء الناس للمتابعة والمشاهدة وربما الإدمان. ولكي يحصل هذا كان لابد من الربط بينه وبين أمور جذابة كالحب، الجنس والمال، و أرى أن غنج المرأة غلب على غيره. ولازال العرب في هذه البوتقة تائهون فلا وسائل الإعلام استطاعت أن تبدأ عمليات التوجيه نحو المسارات الصحيحة، هذا إن كان بعضها ينوي ذلك فعلاً! ولا الرعاع يريد أن ينصرف عن امرأة شبه عارية ومتمائلة.
أخي متعب، كلام سليم وافق عين الصواب، أوقن يقينا كاملا أن الأمة لن تتغير حالها إلا عند تغير رموزها ومعنى البطولة عندها، ولدي يقين أكبر أن هذا لن يكون إلا بالإعلام التقليدي منه والجديد.
هذه التدوينة نوع من الإعلام الذي نريد، بوركت وبوركت خطاك
وووووواو … ترجمة ميتافيزقيا رائعة .. ماشــاء اللهــ
ولكن أعيد دائمــا وأبــدا …
لكل شيء إذا مــاتم نقصــان …
…
……….تمــــ
[...] التدوينة السابقة كتبت عن تأثير الإعلام في صياغة عقول الناس، ربما لم يكن [...]
ما أقوى تأثير الإعلام بكافة أشكاله ! ، كنت قد كتبت مقالا منذ فترة و نشر في الصفحة الرئيسية لدى موقع لجينيات ، كان المقال يتحدث عن سوء أفعال الإعلام السعودي في غض الطرف عن تسليط الضوء على العلماء في جميع الفنون ! ( العلوم العلمية و الدينية ) ، كان مقالاً جارحاً مني و لي و لغيري فأجبرت على أنساه و أنسى جراحه مع الأيام .
و اليوم مع صناعة البطل عادت الذكريات و عاد الجرح ، مازلت أردد دائماً أن الإعلام بيده الورقه الرابحة و إن كنا نرجوا فلاحاً في صغارنا فعلينا أن نبذل المزيد من الجهد كمثقفين و متميزين للظهور في الإعلام و توجيه الشراع نحو مسارانا و نستغل نسائم الريح لتعيننا .
شكراً أ.متعب على كل صورة رائعة هنا وشكراً لكل رسالة غير مباشرة و مباشرة ..
هل لنَا بكَ ياسيّدْ متعبْ , آيةٌ حُسنى نصغها , لنُقدّسْ هُبابَ جنّتكْ في موقعنا ,
انّي اصلّي استجابتكْ ,