لم أكن أتوقع أن كلمات قصيرة في تويتر سيكون لها ذلك الأثر البالغ علي. ربما كان سؤالا عابرا، لكن محاولتي الإجابة عليه بما أعرف استدعتني لأعيد النظر وأتذكر كل ما أعرفه عن التفكير النقدي والتحليلي.
في التدوينة السابقة كتبت عن تأثير الإعلام في صياغة عقول الناس، ربما لم يكن للإعلام ذلك التأثير الكبير لولا أننا (في كثير من الأحيان) نؤخذ بتسليمنا للأمور واستسلامنا للفكرة دون محاولة مجاراتها أو عرضها ضمن سياق تحليلي أو نقدي. التفكير عملية مرهقة تستلزم جهدا كبيرا للتوصل إلى نتائج، لذا فكثير من الناس (دون وعي منهم) يلجئون إلى عدم التفكير، تماما كما تفعل أنماط الاستهلاك بالمواطن الخليجي. هو -إن شئت- نمط استهلاكي للمعلومة، دون تدقيق في المعلومات الواردة على العبوة!
آخرون قد يلجئون إلى ذات النمط التفكيري: “اللا تفكير” -إن صحت التسمية- جهلا منهم بحقيقة أن وعيهم يشكل أهمية قصوى بالنسبة إلى تغيير مصائرهم والملايين. إضافة إلى تقدير أن رأيهم الشخصي تجاه قضية ما ليس رأيهم وحدهم، بل هو انصهار لعوامل مختلفة، ذكرنا منها الإعلام. لذا فهو بالضرورة يعني وجود مشاركين لهم بالرأي، في مكان ما، مروا ضمن عوامل مشابهة.
من يصنع مبادئنا؟ سؤال ضخم تحتاج الإجابة عليه إلى أكثر من صفحات هذه المدونة. لكن ضخامة السؤال ليست مبررا للهروب من مواجهته ومحاولة قرائته مرة بعد أخرى. من يصنع مبادئك هو نفسه من يفرض عليك الاستسلام للواقع أو “التعايش” معه، هو نفسه من يريدك أن تكون اليوم هنا، وغدا هناك. لا تذهب بعيدا، إنه أنت يا صديقي.
المبادئ (كما يمكن لمتحذلق مثلي أن يقول) هي الثوابت – المسلّمات – العقائد (في تعريفها الاجتماعي لا الديني) والتي يشترك فيها مجتمعات وأمم بأكملها. وهي على النقيض من القيم، التي تتركز حول الإنسان واختياراته الشخصية. فممارسة الرياضة قيمة لأنها تختلف من شخص لآخر، لكن الصلاة للمسلمين مبدأ يشترك في تقدير أهميته المسلمون جميعا، وإن اختلف هذا في التطبيق العملي.
لطالما كانت الثورات والانقلابات عبر التاريخ حراكا اجتماعيا نتيجة إجماع على الإخلال بمبدأ عظيم كـ “الحرية” أو “الاستقلال” أو ربما أي مبدأ آخر يشترك فيه الناس. ويطالعنا شكسبير في مسرحيته الخالدة “يوليوس قيصر” بشيء من هذا عندما يحاول المتآمرون إغراء بروتوس، الوزير المقرب من قيصر والمشهور للناس بالتزامه تجاه الجمهورية، بالدخول في مخططهم لإسقاط قيصر لأنه يريد أن يحول الجمهورية الرومانية إلى مملكة يحكمها لوحده. الأمر الذي يهدد “الديموقراطية” في البلاد والذي حرّك كثيرا في نفس بروتوس للانضمام إليهم ثم الصراخ بعد قتل قيصر “التحرر! الحرية! الديموقراطية! سقط الطاغية… انطلقوا بها إلى الناس وأعلنوها في الشوارع”.
يُعتقد أن هذه المسرحية كتبها شكسبير عام ١٥٩٩ ميلادية، وهي تتحدث عن قيصر حاكم الرومان الذي توفي عام ٤٤ قبل الميلاد. يعتقد النقاد أن شكسبير جاء بهذه الكلمات للدلالة على أن المتآمرين عبر التاريخ يكررون دائما ذات الاسطوانة حين يدغدغون مشاعر الشعب بكلمات مثل الحرية وحقوق الإنسان. أما متعب الداوود بعد ٤٠٠ سنة من شكسبير فيؤكد أن النظرية اختلفت من مجرد انقلاب إلى شن حروب واستئصال دول، أما الجمهور المستهدف فلا يزال يشرب من نفس الكأس، كل مرة.
ألم يحن الوقت لمحاسبة “مبادئنا” التي ندافع عنها دون تفكير؟
Image by Woesinger










هل حقاً ندافع عنها دون تفكير…؟؟؟
لو لم نفكر لما كانت مباديء! أم أنها غذيت عقولنا فصرنا جماهير للمباديء المزعومه؟
السلام عليكم

) وهكذا يستمر الروتين الممل كل يوم.. ولن ننسى طبعا المرح واللهو واللعب كنوع إضافي من التخدير الفكري..
أتعبتنا يا متعب بهذه التدوينة الدسمة مضمونا
خصوصا للخارج توه من مطعم مأكولات هندية ويعاني من كسل فكري رهيب
لذلك قد أعود بتعليق آخر عن المبادئ والقيم ومن يصنعها ويحركها..
لكن دعني أتحدث عن الكسل الفكري والإنسان المستهلك في الخليج.. كوني خليجي الولادة والمنشأ والمعيشة حتى الآن..
هنا كل الكسل الفكري الذي تتخيله..
الوضع شبيه بذلك الفيلم الذي نسيت اسمه – حيث نزع الحاكمون الإحساس من الناس وكل المشاعر فلا بكاء ولا حزن ولاغضب وفرح وتفكير.. ومن يتخلى عن تعاطي الدواء الذي يشل الإحساس فسيعاقب بالإعدام..!!
الأمر شبيه هنا.. الكل يتحرك كالآلة يأكل ويشرب ويعمل وينام .. يأكل ويشرب ويعمل وينام.. يأكل ويشرب ويعمل وينام.. يأكل ويشرب ويعمل وينام.. (كتبتها بيدي ولم أنسخها
وسبحان الذي خلقنا.. لم يعد يفرقنا عن الحيوانات شيء غير النطق..
وهذه ياسيدي سياسة تخدير الشعوب حتى لا تفكر بشيء خارج عن هذا الروتين وحتى لا تنازع الحكم أهله وذلك بالنعيم وإغراقها بالمل وإشباعها حد التخمة وحد التخدير الفكري..
لكن ماذا عن الدول خارج الخليج..؟
كما أخبرني أحدهم ممن يعيش فيها عندما قلت له عن هذا الروتين الخليجي.. إن الناس لديكم غارقون بالأموال.. ولدينا غارقون بالبحث عن المال..
إذن هو تخدير من نوع آخر.. بواسطة الحرمان والبؤس والبحث عن رغيف الخبز الذي يسد المرق والإنشغال به إلى درجة الكسل والتخدير الفكري حتى لا يفكر الإنسان بشيء خارج هذا الروتين وحتى لا ينازع الحكم أهله!! وكما قال لي كذلك أحد الذي يعيشون في الدول التي تنتهج هذه السياسة عندما سألته عن إقلاله في التدوين! قال لي: إن الحياة اصبحت حقيرة!
أما عن الإستهلاك فهو الأب غير الشرعي للتخدير الفكري والإبن الشرعي له كذلك !! .. فهو جزء من الروتين الذي تحولنا بواسطته إلى أناس يستهلكون ولاينتجون أبدا عطفا على الكسل الفكري الذي نعيشه..
تجد في أحد العواصم مثلا.. بين كل (مول) و (مول) هنالك (مول) والكل يشتري ويأكل ويلهو ويلعب وينام ويمارس طقوسه الحيوانية المتكررة وبروتين يومي ممل..
هذه هي حياتنا للأسف.. حتى لأولئك المتميزين دراسيا وأكاديميا.. هو داخل هذا القطيع للأسف..
لكن هنالك شواذ وخارجون عن المألوف أو outliers كما سماهم من قبلي جلادويل المسكين في محاولته لتفسير أسباب النجاح (لم أقتنع كثيرا بتفسيراته)..
وأخيرا كما قال العقاد رحمه الله.. إما حياة (على السكين) أو لا حياة..
دمت بخير
صدقت أخي …كثيرة هي المبادئ التي شكلها لنا المجتمع فتغذينا عليها من صغرنا ودافعنا عنها في كبرنا دون لحظة وعي في حقيقتها
تحياتي لك
من أكثر المبادئ السلبية التي التمستها وذهلت لطريقة تلقينها والدفاع عنها ,,
مبدأ ” العصبية” بكل أشكالها ,,
هذا المبدأ متعارض مع مبادئ آخر “كالمساواة” و”الحرية” !!!
وكأننا في عصرٍ جاهلي ,,
عصرٌ لا فرق فيه بين عربي وأعجمي إلا بالنسب ,,
نحن شعوبٌ مخدرة … شعوبٌ ظهورها مكسورة من كثرة الانحناء … شعوبٌ عقولها مقفلة بمفاتيح من صنعها هي …
أتساءل إلى متى سنبقى هكذا “سيزيفيّون”؟
والصخر يا متعب ما أثقله !!!!!
أبدعت ,,
لك كُل الود وأكثر …
شكرا لك أخي .. متعب
لاكن اشعر بأن الاخ عقبه شطح كثيرا بوصف مجتمعنا الخليجي او العربي عامه
فلك هذه الدراسه اللتي تشير بأن ٣٪ فقط في الغرب يعتمدون الكتاب لكسب معرفتهم وتشكيل مفهومهم و ١٧٪ يعتمدون الصحف والبقيه يعتمدون على ماتنشره وسائل الاعلام .. وهذا في الغرب ليس في الدول العربيه فقضية الثراء او الفقر ليسة هي الاشكاليه وحشرها هنا غير منطقي ..
لسان حال المقال هنا يسأل : من يشكل مبادئنا او ماهي مصادر مبادئنا ..؟
بإعتقادي لدينا مصدرين مهمين
١- التربيه : وللأسف نجهل هذا كثيرا كما ذكر اخي مازن في قضية
” العصبيه ” وهذا مشاهد
٢- الاعلام : ” الاستهلاك ” هو منتج ” اعلامي ” وهي معادله بسيطه ..
الشعوب تعتمد على ” الاعلام ” كمصدر لكسب المعرفه وتشكيل السلوك والمفاهيم ” الاعلانات التجاريه ” هي دخل شركات الاعلام
فلذا يجب علي كشركه اعلاميه بترويج سلوكيات الاستهلاك الشرهه او اي سلوك يحقق لي مكسب مادي .. ضمن ” مبادئ معلبه ” تثير الغرائز الحيوانيه اللتي بإستطاعتها تعمي العقل .
اكتفي بهذا التعليق .. واشكر اخي متعب لسماح لنل بمشاركته وطرحه المتميز
صدقت نحن مجتمع تتشكل مبادئه حسب الأهواء وفي نظري ليست المشكلة في ترسيخ المبادئ بل في التطبيق الفعلي لهذه المبادئ فكم من مبادئ ننادي بها وننافح عنها وقد دعا إليها ديننا الحنيف ولكننا أكثر ما نكون بعداً عنها كما ذكر الأخ…( Mazen ) كثير من المبادئ نؤمن بها ننافح عنها نتعصب لها وإذا جاء الواقع كانت سراباً تذروه الرياح
أثرت شجني بحديث عن رائعة شكسبير فكم صور من آلام الشعوب في روائعه التي خلدها التاريخ كم من (قيصر ) بيننا يصادر الحريات وكم من ( بروتوس)خان من أجل مبادئ يؤمن بها ………
صناعة المبادئ ليست بالشيء السهل فهناك عوامل كثيرة قد تضعف هذه المبادئ وقد تغيرها …….
تقديري لك على هذا الطرح الناضج
شكرا و جزاك الله خيرا.
كتاب Outliers غير متوفر في الاسواق المحلية , من اجل ان تعم الفائدة و نعمل على المساهمة و لو باليسير من اجل تحسين جزء من الوافع اليومي للعربي و المسلم .
اذا كان باستطاعتك توفيره على مدونتك نكون لك شاكرين ذاكرين .