لطالما كان الدين بالنسبة للشعوب مصدرا من مصادر الكمال والاستكمال، لأنه عمل غير بشري أولا، يقصد به عبادة ما يُظن سموه عن الدنايا الإنسانية والصفات البشرية، ثانيا. الدين بالنسبة للمسلمين ليس هذا فقط، بل هو المصدر الرئيس لكثير من الشؤون الحياتية والاجتماعية، ومنه تتفرع أغلب أخلاقياتهم وعاداتهم الاجتماعية (أو ما يفترض منها على أقل تقدير).
من هنا كان الإسلام بالنسبة لنا أكثر من مجرد طقوس ومشاعر زمانية ومكانية، إنه أسلوب حياة ونظام اجتماعي معقد جعل من حياة المسلم جملة من المترادفات التي تتناسق لتؤلف إنسانا منتجا ومؤثرا على صعيد المجتمع والأمة. هذا المسلم ليس أكثر من رقم في خانة الآحاد لجسد متّحد اسمه الأمة تتأثر (كالجسد تماما) بما هو خارجها من متغيرات ومستجدات، وأمراض.
أتمنى أن لا أفشي سرا هنا حين أقول أن كسرا قد جرى للمعادلة السابقة، بالنظر إلى النتيجة والمحصلة الخاطئة. من هنا انبرى الكثير من المتخصصين وغيرهم في شرح الأسباب وتعليل العلة، فمن قائل بخطأ المعادلة نفسها إلى منادٍ بتغيير الجذور لفسادها أو لتقادم عمرها، أو لمغنم يرون في هذه الجذور حاجزا عن الوصول إليه…
أيا تكن الأخطاء وأيا يكن الخلل، فقد انبرى البعض فعلا لتحقيق نبوءته على أرض الواقع، فاتهم المتدينين بفرض دين عاجيّ متعال على الناس. وشرع يُنزل الدين إلى مستوى الشعب والعامة طمعا في تغيير يحدث في الناس فهما أكثر للدين الذي جاء ليكون قريبا منهم، وجزءا من حياتهم. هذا التنزيل للدين على حياة العامة لم يكن مرحّبا به على كل حال، لذا فكان لا بد من إعادة صياغة بعض المفاهيم لتستبينها عقول العامة بما لا يخالف معناها الشرعي وبما يضمن المصالح المرجوة.
إعادة الصياغة هذه لم تكن هنا أكثر من “تسطيح” للدين نفسه، ما يعني تحويل المعاني الإسلامية إلى معان بسيطة سطحية سهلة الهضم، أو تنزيل تلك المعاني إلى السطح ومستوى فهم العامة، ولا فرق. مع ما يتضمنه ذلك أيضا من الكثير من التباسط والفكاهة التي ربما نسيها كثير من “المتزمتين” في خضم بحثهم عن الإصلاح والدعوة. معان كثيرة يتم اجتزاؤها حين يتم هذا البسط، فيتم تشكيل الدين والمتدينين في صورة استديو مختلط، أو موسيقى يتم تقديمها على أساس انفتاح الدين “الحقيقي” على أنواع الفنون والثقافات.
“أخذا بالأيسر” يقولون، وإن كان التيمّن سمة تعجبه -صلى الله عليه وسلم-. ليس لأن الأيسر صعب على المتزمتين، بل لأنه (ربما وأحيانا) أبعد عن اليمين. لأنه خلافٌ، بعيدا عن البحث في تسويغه وأدلته، نختار الأيسر لأنه ما يعجب الزبون، والزبون دائما على حق.
أرى هنا قلبا صريحا للمعادلة، فبعد أن كان الدين هو رأس ومركز الهرم الذي تسنده القاعدة الشعبية، صار الهرم مقلوبا على رأسه تضغط عليه القاعدة الشعبية من الأعلى لإيغاله في رمال التنازلات أكثر، وأكثر. هذه التنازلات ليست أكثر من مسوغات لتنازلات أخرى مبنية على ما قبلها. وبدل أن كان الدين هو القمة التي ينبغي على الجميع الوصول إليها ارتفاعا، صار على القمة أن تنزل رأسها إلى السطح. وأن يكون السطح هو الأساس، وعلى القمة تحمل مسؤولياتها.
التيسير على الناس ليس مهنة الناس أنفسهم، فطريق التنازلات سيكون هنا طويلا وممهدا. وليس من أساسيات الدين (كما أفهمه) التيسير والتسهيل وإلا لما فرض الجهاد والحج والزكاة. تسطيح الدين يعني تمييع رأس الهرم ليسيح على السطح، يعني دينا مبتذلا لا يحرم لحم خنزير ولا يرى لفقير حقا. التيسير الحقيقي هو بالنظر إلى المعاني الجميلة في كل ما نفعله تدينا وتعبدا، من إصلاح بين متخاصمين أو كسوة لمحتاج، أو إغاثة لملهوف. التدين الحقيقي هو أن نعبد الله كما أمر، لا كما نريد أن نعبده.
Image credits to colodio










المشكله ياخوي ان الناس الا من رحم ربك يريدون الدين يمشي على هواهم اسلام يوافق مزاجهم … مع ان المفروض انا نمشي على مسار الدين حتى ولو خالف هوانا ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) لكن الناس تريد الدين يمشي على هواها وكثيرا ما يتقاعس الناس عن اداء بعض الواجبات الدينيه واذا حد قال لهم شي يقول لك ياخي الدين يسر لا تصير معقد
واذا اكرت على احد انه تقاعس عن سنه يقول لك ياخي هذي سنه مب فرض
والله المستعان
تنبيه …. معنى الاسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد لاوامر الله تعالى على طريقه المصطفى صلى الله عليه وسلم واجتناب نواهيه ثم الرضى بهذه الاوامر والنواهي .
أهلا عزيزي سليمان،
أحسنت، التدين الحقيقي ليس مزاجا بل تكليفا ربانيا واستسلاما لأوامر الله. مشكلة البعض أنه يؤمن بالطرق الملتوية حتى في الدين، فتجده يبحث ويفتش لعله يحظى بفتوى من هنا أو هناك تجيز له فعلا معينا… “والاثم ما حاك في الصدر وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك”
أتفق معك فيما قلت – إلى حد ما، فالدين في نهاية الأمر ليس معادلة رياضية يمكن حلّها بطريقة واحدة، إنما هو مجموعة من المبادئ الثابتة وأخرى فتح الله المجال فيه للإجتهاد. من هنا، فإن معادلة التمييع يختلف فهمها من شخص لآخر، وللبلد والزمن والظروف المحيطة دور في تشكيل فهم الدين.
على الهامش: ما علاقة الصورة في بداية التدوينة بمحتواها؟
دُمت حالما لهموم أمتك
ليس الاجتهاد في الدين محل نظر أو مناقشة هنا، ما عنيته هو اللعب الحاصل من قفز على المحرمات باستدلالات غريبة وآراء مبتعدة عن النصوص الثابتة. أو ما يحصل من تجاوز في الأخذ بالأيسر وإن كان قولا مرجوحا…
الصورة قصدت بها دين القشور إن كنت تذكر
دام عاطر حضورك يا صديقي.
[...] This post was mentioned on Twitter by Abdulaziz Al-Shetwi, Moteb AdDawood and Omar Almudaifer, محمد الداود. محمد الداود said: RT @moteb: جديد مدونتي: الدين المسطّح – متعب http://moteb.ws/369 [...]
مغزى الصورة ياعوني هو أن الحديث يشير من بعيد -ربما – إلى قضية الإختلاط كحديث الساعة السائد الآن هنا..
أو ربما إلى قضية النقاب..
عموما ملاحظات لطيفة يامتعب وقصدك مفهوم إلا أنه ينظر من زاوية واحدة أو زاويتين فقط.. هنالك زاويا أخرى تؤكد على ضرورة التيسير على الناس و (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه) و (يشروا ولا تنفروا)..
وغيرها الكثير من الآثار والآيات.. والشروح والحواشي والأحكام..
لكن قصدك وكلامك من الممكن تنزيله على النخبة او العصبة التي تقود هذه الأمة أو الصفوة التي اختارها الله أو ارتضت لأنفسها هذا التكليف الصعب .. القوامون الصوامون والمجاهدون والذين هم كإبل المائة..
وهذا ما يؤيده (وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله)
و (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ماأنزل الله)
والقصد هنا والشاهد ليس الأعراب أو أي جنس من الناس.. لكن عندما توجه الدين للعامة فإنك ولا بد أن تبسطه أو (تسطحه) فالناس خلفياتهم الثقافية ومعارفهم وعقولهم مختلفة والضعف والبساطة هي الغالبة..
من هنا كما قلت جاء الكثير من الدعاة بنظرية (الصفوة) التي يتنزل عليها الدين كما تنزل على نخبة الصدر الاول الذين نشروا هذا الدين..
عموما الموضوع يطول..
أشكرك
أبعدت النجعة يا صديقي بخصوص الصورة
هناك فرق (كما أرى) بين التيسير كمفهوم وبينه كتوسع في آراء مرجوحة أو أخذ باجتهادات في أمور ورد فيها النص.
ما نسيت الإشارة إليه هو أن بعض الدعاة استبدل الجهد في توعية الناس والرفع من مستواهم الفكري والتثقيفي بإنزال الدين وجعله مبتذلا في صور أشرت إلى بعضها.
لا أؤمن بدين الخاصة والعامة بل الدين سهل ومفاهيمه يمكن لكل أحد معرفتها والعمل بها دون حاجة إلى تبسيط يودي بها إلى الابتذال والسطحية.
لا أملّ من إيراد الشكر لحضورك المبهج.
التدين الحقيقي هو أن نعبد الله كما أمر، لا كما نريد أن نعبده
رائع جداً
حضورك يا محمد زاد الموضوع روعة وصاحبه تشريفا
لا عدمناك.
أعجبتني المشاكلة اللفظية بين “الأيسر” من اليسار، و”الأيسر” من اليسر.
الاسلام منهج حيــاة .. ليس فيه من العسير الصعب على النفس وليس فيه من اليســر الذي يجعل الامور تفلت من بين ايدينا ..
للاسف .. البعض سلك طريق ” التوسعه التي توافق الهوى ” والبعض ” التزموا التشدد العسير ”
لكن مازلنــا بخيــر ولله الحمد ..
السلام عليكم
بل الدين مصدر – لكل شيء , ومهيمن على كل شيء , لا يوجد شيء في حياة المسلم ليس للإسلام فيه تشريع معين, حتى ما سُكت عنه ولم يبين فيه حكم فهو يخضع لأصول عامة قررتها الشريعة لمقاصد سامية.
جاء الإسلام ليتعامل مباشرة مع القيم التي تولد السلوكيات, عززها وهذبها والغى بعضها فتكونت منظومة من القيم الإنسانية الرائعة التي ساهمت بشكل كبير في جذب غير المسلمين لهذا الدين أولها: العــدل والإنصاف !
فعلاً مشكلتنا اليوم عميقة ويجب أن نتجاهل المظاهر ونسبر العمق بمعنى لا يخدعنا السلوك ونتغافل عن القيم التي أنتجته, ترى شابان مستقيمان فيما يظهر لك وهما يحملان قيم مختلفة دفعتهما للإلتزام الظاهري … عن الامتحان تثبت القيم الأصيلة لا تتزعزع أما القيم المزيفة والشائنة فتنهار وتستبدل بقيم يساريه ولكنها تنسجم مع المعتقد ( القلب المريض!! ).
نحن بحاجة الى معرفة الله , نحن بحاجة الى العمل على صلاح قلوبنا … نحن بحاجة إلى الإيمان الى اليقين … هكذا نثبت بحول الله …..
المشروع التنويري ( الليبرالي ) يعمل على استيراد قيم جديدة ليس لها علاقة بالإسلام ويروج لها ويحميها بضرب رموز التدين في نفس الوقت تعانق أقلامهم شعارات إسلامية تشبه الآيات التي كان يتلوها أوباما …. والحقيقة أنهم يريدون تحجيم الدين ورفع أثره عن الشعوب وفض عراه حتى تتوفر لهم بيئة جديدة تعجبهم وتوافق ( هواهم ) ..
*- شكراً لك
الكل يبحث عن الوسط ويدعيه
وللأسف الأغلب بين إفراط وتفريط
إلا ذو لب وتوفيق
مررت من هنا .. وتحيه
ما أجمل ما كتبت لا فض فوك ، وزادك الله من فضله وكفاك شر الحساد ونفعك الله بالنقاد.
أخوك الصغير.
فيصل الرسلاني
تشرفت بالمرور على مدونتك وقد أضفتها لمفضلتي لأستنير مما تكتب و أتابع أفكارك وإطروحاتك
روي عن سليمان التيمي أنه قال: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله
الإنسان بطبيعته تابع لهواه و رغباته ..يبحث عن كل ما قد يسقط عنه تكليف أمر ما .. خصوصاً إن كانت أمور دينية !
لهذا جاء القرآن الكريم يحكم هذه الطبيعة إذ نهى عن إتباع هوى النفس وشهواتها، فأمر الله عبادة فيه أن يردوا أمرهم لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام و في كتاب الله وسنة نبيه منهج حياة المسلم .
التيسير الحقيقي كما أراه أنا .. هو الإسلام بعينه و بتعاليمه السمحة ..
وفي تلك التعاليم والعبادات -قد يرى البعض منا أنها تقيده وتشق عليه – ما سيقينا بإذن الله إن أصلحنا النية فيها شر عذاب يوم مهين ..
وهذه أعظم رخصة من المفترض أن نتتبعها خوفاً وتهويناً على أنفسنا من ذلك اليوم !
الإسلام دين يسر لمن يسره الله عليه وسيكون عسيرا لمن يراه عسيرا !
في الحقيقة الإسلام و بالخصوص عندنا في النغرب بدأ يفقد قوته بحيث طغت قنوات الحكومة على شاشاتنا و تنشر الفتنة و مسابقات الأغاني و السهرات و الحفلات بالإضافة إلى مسابقة للقمار و إشهارات تظهر فيها نساء عاريات، و الله حرام ما يفعلونه و ما يزعجني هو أن المغرب دولة إسلامية و لا يجوز مشر مثل هذخ الأمور.