
تناقلت وسائل الإعلام العالمية خبر إجراء المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN أول تجربة من نوعها لمحاكاة “الانفجار العظيم” الذي يُعتقد أنه حدث قبل ما يزيد على 14 مليار عام، وكان نواة تشكل الكون. يقع المشروع تحت عمق 100 متر تحت الحدود السويسرية الفرنسية، وبلغت تكاليفه في مجموعها 9 مليارات دولار، منها 3 مليارات يورو فقط لبناء مصادم الهدرونات الكبير، قطب الرحى في هذه العملية العملاقة. هذا المُعجِّل هو عبارة عن نفق دائري ضخم تحت الأرض بطول 27 كيلومترا ستطلق فيه بروتونات الذرة وجزيئاتها بشكل تعاكسي ليحدث نتيجة لذلك 600 مليون تصادم جزيئي في الثانية الواحدة، يؤدي كل تصادم منها إلى انشطار آلاف الجزيئات التي يتم تسجيلها تمهيدا لدراستها. يسعى العلماء في هذا إلى إعادة إنتاج ظروف الانفجار العظيم، وتسجيل جزء في المليون من الثانية التي أعقبته مما قد يؤدي إلى اكتشافات جديدة ويهدد بنسف نظريات قام عليها العلم لسنوات طويلة.
هذا المصادم يعتبر أضخم آلة صنعها الإنسان، وقد تطلبت التجربة الأولى للتصادم الجزيئي 120 ميغاوات من الطاقة الكهربائية، وهو ما تستهلكه مدينة مثل جنيف التي يبلغ عدد سكانها 160 ألف نسمة. تبلغ درجة الحرارة داخل المصادم الذي يعتبر أكبر وحدة تجميد في العالم سالب 271.4 درجة مئوية، وهو ما يقل بقليل عن درجة حرارة الفضاء الخارجي (-270.4)، وتقفز الدرجة عند التجربة التصادمية لتصبح أكثر بمئة ألف مرة من حرارة مركز الشمس، في حقل مغناطيسي أقوى بمئة ألف مرة من الحقل المغناطيسي للأرض يجبر الجزيئات المتطايرة على الانتظام في مدارها. عمل على هذا المشروع أكثر من ثمانية آلاف عالم فيزيائي من أكثر من ثمانين دولة، بالإضافة إلى العديد من الجامعات والمختبرات حول العالم، وموارد حاسوبية هائلة جدا للتحكم بكمٍّ ضخم من البيانات ومعالجتها.
عندما رأيت كل هذا وأكثر، عرفت كم هو الإنسان ضعيف، محدود القدرة والمعرفة. وعرفت كم يكلفك كثيرا حين تكون بلا إيمان، بلا “حقيقة” مطلقة. كل هذه المحاولات تجيء فقط لإثبات (أو نفي) النظرية المذكورة وما جاءت به الكتب السماوية من قصة نشوء الكون وتشكله، محاولة في هذا إنكار أن يكون لهذا الكون خالق مدبر، وأن “الطبيعة” هي المُسيِّرة لدفة هذا الكون الفسيح المتناهي الأطراف. حين لا يكون هناك “حقيقة” مقطوع بها، تولد هذه النظريات المختلفة، والآراء، لأنه -باختصار- لا يمكن القطع بشيء لم يطّلع عليه أحد سلفا. فما بالك إذا كان هناك “شاهد” على هذا الشيء، هو من صنعه وهو من أنشأه -سبحانه-، ألا نصدقه ونركن إلى ما رأى (لا إلى ما اعتقد)؟ إنها حالة المادية الملحدة التي تشكل عليها العِلم الحديث ونضج، والتي يحاول إلباسها لكل شيء من حوله. أن يكون التسليم للتجربة والمحسوس فقط وليس للخبر أو المُغيب، حتى لو كان هذا الشيء غير ممكن تجربته أصلا.
هو أيضا أنانية هذا العِلم وقصره للحقيقة على ما يقوله هو فقط، وإلغاء الجوانب الأخرى بكل بساطة. هذا أمر يقبله كثير من الناس في عالم المادة اليوم، لكن ماذا لو قال أحد بإلغاء أن يكون العِلم مصدرا للحقائق؟ ستقوم عليه الدنيا ولن تقعد! ماذا عن أطنان “الحقائق” العلمية التي تنكشف سوءاتها يوما بعد يوم؟ أليس الأمر حريا بالوقوف عنده والسؤال عنه؟ إذا كانت نظرية “الانفجار العظيم” والتي هي من أكثر النظريات العلمية احتراما ومصداقية محل شك الآن قبل هذه التجربة، ماذا عن بقية النظريات الأقل مصداقية والأكثر نقاشا على جدول أعمال العِلم الحديث؟
أؤمن بأن العالم لن يُبتلع بثقب أسود محتمل عقب هذه التجربة، لأن الله سبحانه وتعالى هو من يُصرِّف الأمر وهو سبحانه من يعلم متى سينتهي هذا العالم. لكنها الأنانية -كل الأنانية- حين يصل الأمر للعِلم والتجربة العلمية، لا يهم حينها كم سيموت وكيف سيكون العالم بعدها. يُهاجم بشدة ويُنتقد من يحاول حماية العالَم من حماقات البعض، ويُتهم من يشكك في أمان هذه التجربة بأنه عدو للمعرفة، ولا يسمع أحد إليه في النهاية. كيف كان العالَم -مثلا- قبل اختراع القنبلة النووية وكيف أصبح الآن؟ ألم يصبح العالَم مكانا أقل أمنا بعد استحداث تلك القنبلة الفتاكة؟ عن أي علم نتحدث حين يصل الأمر لاختراع الألغام الأرضية التي تقتل أو تُقعد 26 ألف شخص سنويا؟ إذا لم يكن العِلم لتحسين ظروف ومعايش الناس، فأي إهدار هذا إذن؟
ما الذي سيكسبه العالَم إذا عرف -أو لم يعرف- أن الكون تشكّل جراء انفجار مادة شديدة التركيز في حجم قطعة معدنية؟ ثم ما الذي يثبت أصلا صحة هذه الفرضية؟ أليس الاستثمار في حياة الناس أجدى، وأكثر منفعة؟









أذكر مرة سأل أحد الطلبة الدكتور عن سبب خوض الناس في مسألة التفضيل بين الأنبياء والملائكة عليهم السلام؟
فأجابه حفظه الله: ” هذا الترف العلمي، ما سمعت من قبل عن الترف العلمي؟ “.
وأرى هذا المولد الضخم ماهو إلا ترفاً علمياً لعلماء الفيزياء، يخوضون فيه ويتساءلون حوله.
رغم أن الفضول أحياناً يضر، وعاقبته لا تكون محمودة، أو لا فائدة منه تحت إطار: ” لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ “، إلا أني لا أعارض هذا الترف العلمي الحاصل هنا، هذا الإختراع سيساعد في إثبات حقيقة خفيت عن الجميع فلم المعارضة؟
الحقيقة التي ستُعرف بالفشل في إثبات نظرية الإنفجار الكوني، فشل هذه النظرية إثبات لما يقابلها، إثبات لما وافق الفطرة على أنه خلق بديع بإبداع خالق واحد.
ثم إن صاحب البصيرة المتأمل يجد في ذلك نعم الله عليه، كيف أن الله سبحانه منّ عليه بنعمة الإسلام التي عرف بها أمور كثيرة ما زالت خافية عن أمم كثيرة، يبذلون في سبيل معرفتها عظيم الجهد بتطبيق أعلى العلوم بجِد.
اللهم إنا نحمدك على نعمة الإسلام، الله ثبّت قلوبنا على دينك.
شكراً لك متعب، زدتَ معلوماتي حول هذا الموضوع الذي كنت أناقشه مع أخي قبل اسبوع.
مررت من هاهنا..
ولعل لي عودة..
سيدي، دعني أتفق و أختلف معك.
قد يكون المشروع محض ترف بالنسبة لنا، إنما لا شد أنه سيدر على الغرب بخبرات علمية جديدة. هؤلاء يسعون لمعرفة الكون بشكل لا محدود. الفرق بينهم و بيننا أننا تمسكنا بالدين و قلنا الحمد لله إكتفينا بهذا.
القنبلة الذرية ليس من الترف. نعم تقتل و تفتك، لماذا؟ لأن قوما صنعوها لا يؤمنون بالله و لا بدين و لا أخلاق.
لو كانت القنبلة الذرية بيد قوم يؤمنون بالله لما وجدتها تقتل الناس.
ها هو غصن الشجرة صُنعت منه الرماح و كانت سببا في إقتراف مجازر فيما مضى. نفس الغصن إستخدمه آخرون كعِقل لإنتاج أشجار جديدة.
ها هو الديناميت أحد العوامل الرئيسية في صناعة الإسمنت و له فوائد أخرى. و هو أيضا الإختراع الذي جلب الويلات للكثيرين.
السبب؟
نحن السبب – نحن المسلمون لأننا تخلينا عن العلم و تركنا أناس غيرنا يتصرفون به على هواهم، فأهلكوا الحرث و النسل و نشروا الفساد في البر و البحر.
و لا زال البعض منا يقولون: العلم ترف …
Turki Al- Fassam
ترف علمي أو أنانية علمية، لن نختلف. للمعلومية فالقرآن الكريم لا يخالف نظرية الانفجار العظيم بل يثبتها: “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ” فالقرآن يثبت أن السماء والأرض كانا متلاصقتين “ففتقناهما” أي فصلنا بينهما.
أهلا بالترف العلمي إذا انتهت مشاكل الأرض وأصبح همنا: هل نستطيع فعلا أن نعيش على المريخ؟!
شكرا جزيلا لتواجدك.
.
أحمد العلولا
أهلا بتواجدك، ولا زلت في انتظارك
.
عونيــ
أما اكتشاف الكون فلا اعتراض هنا، لكن أن تُصرف المليارات على مشاريع كهذه، بينما يموت الناس في العالم بالأمراض الفتاكة والمستعصية كالإيدز والسكري وغيرهما، دون أن يكون هناك دواء فعال لهذه الأمراض، هنا ينقلب الموضوع إلى “أنانية” مفرطة.
القنبلة الذرية ليست موضوعنا هنا، لكنها نموذج لتلك الأنانية التي وصفتها، وغياب أي صفة للإنسانية حين يتعلق الأمر بالاستعلاء والتجبر.
لن نختلف أبدا بالنسبة للاستخدام السيء والجيد للمصادر المتعددة، نتكلم هنا عن بذخ على مشاريع نظرية بعيدة كل البعد عن حياة الإنسان وحل مشاكله. هناك قائمة أعدتها منظمة الصحة العالمية للأمراض المزمنة والمستعصية، ماذا فعل هؤلاء العلماء حيالها؟
شكرا لتواجدك يا صديقي.
أخي متعب لعلّك تعذرني على تواجدي هنا مجدداً، إلا أني أحرص على الفائدة متى وُجدت.
لعلّك تعذرني إن كنت أخالفك على أن قوله تعالى: { أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ } يدل على الإنفجار الكوني العظيم.
لهذه الآية 5 تفاسير ذكرها الإمام محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره أضواء البيان وأظهرها ثلاثة.
الأول: وهو ما أخذ به الشيخ أن قوله تعالى: { كانتا رتقاً } أيْ كانت السماء لا تمطر والأرض لا تنبت ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات. [ رواه عبدالله بن دينار عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك].
ولهذا التفسير قرائن عديدة تقويه منها:
قوله تعالى بعد هذه الآية: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ } قال الإمام الشنقيطي رحمه الله: ” والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله . أي وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء ، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض كل شيء حي”. للمزيد ارجع لكتابه المذكور.
الثاني: أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتقهما الله تعالى، وهو لا شك ما تقصد. [ رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة ]
الثالث: أن السماء فتقت ست سماوات فصارت سبعاً، والأرض فتقت ست أرضين فصارت سبعاً. [ رواه السدي عن أشياخه وابن أبي نجيح عن مجاهد ].
ولو أخذنا بالتفسير الثاني أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتقهما الله تعالى، فإنه لا يدل على الإنفجار الكوني، إذ الإنفجار يترتب عليه التبعثر والتطاير والتشتت، فلو كان انفجاراً لما تنظّم وانتظم، في مسار لا يخرج منه ولا يشذ عنه سائر النجوم والكواكب، ولو قلنا أن الكون مالك لنفسه فجّر نفسه وقسّم أجزاؤه ورتّبها بنفسه لانعدم حاجة الكون إلى خالق مدبّر، إذ الطبيعة قادرة على إدارة شؤونها بشأنها، وهذا أظهر الباطل الذي يريدون أن يثبتوه من نظرية الإنفجار الكوني.
ففشل هذه النظرية الفاسدة إثبات أن لهذا الكون خالق مدبّر يدير هذا الكون عالم بخفاياه سبحانه محيط بجميع أموره.
ولهذا كان الخطاب في أول الآية إلى هؤلاء الكفار { أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا } فهو خطاب لهم لما في قلوبهم من الشك والزيغ الذي بات ظاهراً، لما انصرفوا عن إخلاص العبادة بل والشك في وجوده سبحانه. ولهذا قال عز وجل في آخر الآية: { أَفَلا يُؤْمِنُونَ } ؟؟
——
أخي عوني، لعلّك تعذرني إن خالفتك في الرأي، فلولا اختلاف الآراء لبارت العقول!!
ولا أزيدك علماً أن العلوم منها ما به النفع ومنها ما به الضرر، ومنها مالنا حاجة فيه ومنها ما ليس لنا فيه حاجة.
ومنها الإشتغال فيه كنز يُحصّل، ومنها الإهتمام به جهل يُحمل. وضعفنا في الإهتمام بالعلم النافع، لا يعني رضانا لأخذ الضار والرضى عنه.
كما بيّن أخي متعب هناك أمراض وبائية تفشّت، وفقر يعيشه خُمس العالم، أليس هؤلاء أولى بـ 9 مليارات دولار التي صُرفت في مشروع فاشل، لإثبات نظرية فاشلة؟
وأحيطك علماً أن تشيغله الأول لم يتم على ما يرام لعطل قد وُجد في المحرّك وسيتم تشغيله من جديد الشهر المقبل، مما يعني أنه سيستهلك 120 ميغاوات من الطاقة الكهربائية مجدداً!!!
ويالله يا كريم يا فتّاح يا عليم!!
[...] مقال الأخ ليزر للكتابة عن التجربة المجنونة التي ينوي العالم القيام [...]
يسلمووو على الموضوع الرائع
مع الشكر