لا أعتقد أن ثمة كلمات تصف ما يجري حاليا على الساحة الدولية والأمريكية تحديدا أفضل من كلمة “منعطف تاريخي”. نعم، فكما أصبح العالم بعد 11 سبتمبر شيئا مختلفا، فهو بلا شك لن يعود كما كان قبل شهر مضى. أكبر اقتصادات العالم أخذ اللفة الأخيرة قبل هاوية لا يُرجح أنه سيعود منها سالما… إنها سنن الله في الأمم، إنها السنن الكونية التي يعجز أحد عن تفسيرها. التصريحات المتطايرة هنا وهناك تُشير إلى أن “عش النسر” قد أخذ يتداعى بالفعل، وأن الرأسمالية الغربية تحتضر الآن في انتظار مولود جديد لا يعلم أحد عنه شيئا سوى أنه “متعدد الرؤوس”، ليس كسابقه الذي كان لفترة لا يستهان بها ذا رأس واحد فقط.
بدأ كل هذا عندما صرح وزير المالية الألماني بالقول أن الولايات المتحدة ستفقد مكانها كقوة عظمى في الاقتصاد العالمي، وأن النظام الاقتصادي العالمي يتجه لاقتصاد متعدد الأقطاب أكثر فأكثر. وقال في تصريح آخر أن الولايات المتحدة قد أعادتنا إلى أجواء 11 سبتمبر 2001 وأن النظام المالي العالمي قد تصدع الآن. فيما رأى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن حالة الاضطراب التي سببها الاقتصاد الأمريكي وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحر، وأن النظام الرأسمالي العالمي بحاجة إلى إصلاح داعيا إلى البدء بالتفكير في سياسة نقدية جديدة. يأتي هذا في ظل انتقادات جاءت على لسان رئيس الوزراء الكندي الذي وصف الوضع الاقتصادي الأمريكي بالكارثي مرجعا السبب في ذلك إلى سياسات وصفها بغير المسؤولة. إلى ذلك طالب الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف بإقامة نظام اقتصادي مالي جديد أكثر عدلا يقوم على تعدد الأقطاب وسيادة القانون والأخذ بالمصالح المتبادلة، معتبرا أن عهد هيمنة الاقتصاد الواحد والعملة الواحدة قد ولّى إلى غير رجعة. الأقطاب الأوروبية: فرنسا، ألمانيا، إيطاليا وإنجلترا انفضت عن اجتماع طارئ ناقشت فيه هذه الأزمة، وأظهرت فيه توحدا ما تجاهها، صرح بعده ساركوزي أن العالم بحاجة إلى قمة في نوفمبر لإصلاح النظام المالي “المجنون” والتكاتف من أجل وضع نظام جديد منظم يمنع التجاوزات التي حصلت في أزمة الرهن الأمريكية الأخيرة…
من أجل كل هذا، أقر الكونغرس الأمريكي صرف مبلغ 700 مليار دولار من الاحتياطي الفيدرالي في خطة إنقاذ لكبح جماح هذه الأزمة ومنع تساقط المزيد من الشركات والمصارف في قبضة الإفلاس، بينما ضخت البنوك المركزية في العالم مليارات الدولارات في أسواقها من أجل توفير السيولة. فبعد سقوط شركات مهمة كمصرف Lehman Brothers وشركة AIG كبرى شركات التأمين في العالم جاء هذا التدخل الأمريكي في شؤون وول ستريت فيما يعد معارضة صريحة لأحد أهم قواعد النظام الرأسمالي الذي يقول بعدم تدخل الدولة في أسواق المال، وهو الأمر الذي جعل من وول ستريت فيما مضى أحد أهم قلاع الرأسمالية في العالم. وبحسب مدير معهد التمويل الدولي فإن هذا المبلغ غير كاف لمواجهة الأزمة وأن النظام المالي العالمي يواجه الآن التحديات الأكثر استثنائية خلال العقود الثمانية الماضية، وتابع القول بأن الجهود تُستحث الآن للتنسيق الدولي في مواجهة هذه الأزمة حتى لو تطلب الأمر دفع مبالغ طائلة من الأموال الحكومية تفاديا لركود عالمي محتمل. يأتي هذا فيما يحذر صندوق النقد الدولي فعلا من خطر دخول الولايات المتحدة في تباطؤ اقتصادي حاد، وأظهرت بيانات حكومية أمريكية ارتفاع عدد الأمريكيين العاطلين عن العمل والذين طلبوا إعانات للمرة الأولى في الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوى له خلال سبع سنوات، بينما تسبب العجز التجاري الأمريكي في السلع عدا النفط بفقدان العمال الأمريكيين 5.6 مليون وظيفة خلال العام الماضي فقط. وذكر صندوق النقد أيضا أن الاقتصاد الأمريكي قد أظهر كل المؤشرات على أنه يواجه أصعب وأطول أزمة مالية.
ما هي الرأسمالية؟
هي ترجمة للكلمة الإنجليزية Capitalism والتي تُعرّف بأنها نظام اقتصادي تكون فيه أدوات الإنتاج مملوكة للقطاع الخاص ومُسيّرة للأغراض الربحية، بينما تكون الاستثمارات، عمليات الإنتاج والتوزيع، المدخَلات وتسعير السلع والخدمات موجهة ضمن آليات السوق الحر ومنهج العرض والطلب، بعيدا عن الخطط الاقتصادية المركزية (الحكومية). يُنظر إلى الرأسمالية غالبا على أنها تحمي حق الأفراد والشركات في التجارة، الاندماج، توظيف العمال واستعمال الأموال في شراء السلع، الخدمات، الممتلكات والأراضي. أما نظريا، فيُعد الإنتاج والتوزيع في النظام الرأسمالي محكوما بالسوق الحر بعيدا عن تشريعات الدولة، مع حصر مهام الدولة في تعريف وتطبيق الأنظمة الأساسية للسوق مع إمكانية تقديمها لبعض المنافع العامة والبنى التحتية.
الرأسمالية، هي تحرير رأس المال من أي قيود قانونية -أو حتى أخلاقية- تمنعه من العمل والاستثمار، وأن التنافسية بين أصحاب رؤوس الأموال هي ما يؤدي -نظريا- إلى تكوين الأسعار وتوظيف الأيدي العاملة والتطوير في كافة المجالات عبر تنافس رؤوس الأموال هذه على الربح المادي مما يؤدي إلى إنعاش حركة الاقتصاد والتبادل التجاري. واضع هذا النظام هو الاسكتلندي آدم سميث وقد تبلورت النظرية في كتابه “ثروة الأمم” الذي يعد التقعيد الأول لمبادئ الرأسمالية ونظرية السوق الحر. وكان هذا عام 1779 في فجر الثورة الصناعية. بشّر سميث في هذا الكتاب باقتصاد السوق الحر كحل أمثل وبأن الثورة الصناعية ستزيد ثروات الجميع بعدد ساعات عمل أقل وإنهاء لعمل الأطفال وصغار السن.
إلى أين وصلت؟
يكفي أن تعلم أنه في الولايات المتحدة يستأثر 1% من السكان بـ 50% من مكاسب نمو الناتج المحلي بينما تقفز هذه النسبة بتوسيع النطاق دوليا إلى 5% يستأثرون بما يعادل ثروة 80% من بقية العالم. هذه النسب المخيفة وصلت إلى حد أن مدير الشركة في أمريكا يصل مرتبه إلى 500 ضعف أجر الموظف العادي في نفس الشركة. الرأسمالية مسؤولة عن الإضرار باقتصاديات دول بأكملها في أمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا، ناهيك عن الثروات الأفريقية وتحويلها إلى مصانعهم ومن ثم إلى جيوبهم. الشره الرأسمالي مسؤول كذلك عن إشعال بعض الحروب للسيطرة على الموارد في العالم وتجويع شعوب أخرى بحثا عن طاقة رخيصة. هي أيضا مسؤولة عن الحقبة الاستعمارية التي عصفت بدول العالم الثالث وأنهكت قواه وقسمت العالم إلى عالم أول وثان وثالث. تدمر الرأسمالية اقتصاد الدول الصغيرة عبر ما يسمى بتحرير الأسواق واتفاقيات التبادل التجاري: ماذا تفعل دولة كالجزائر إذا فتحت اقتصادها لدولة كفرنسا مثلا؟ ببساطة ستخسر المنتجات الوطنية كل شيء لصالح نظيرتها الأجنبية نظرا لعدم التكافؤ وستغلق المصالح الصغيرة والمتوسطة أبوابها وسيبقى أناس بلا عمل… لمصلحة مَن يتم كل هذا؟
إن تجرد الرأسمالية من القيم والمبادئ لوحده كفيل بتجريمها والأخذ من منزلتها. إن تحول الإنسان إلى سلعة رخيصة في النظام الرأسمالي وخضوعه للعرض والطلب كفيل برصف الرأسمالية مع الشيوعية والإقطاعية التي همشت هذا الإنسان رغم أنه مدار الكون والرسالات السماوية. بالغت الرأسمالية كثيرا في تقدير الحرية الفردية فجاءت الشيوعية كتناقض صارخ لهذا التطرف، حيث أهين الإنسان في الحالتين ولم يعط حقه من الرعاية المستحقة والعيش الكريم. أهانت الرأسمالية الإنسان بأن نظرت إليه ككائن حي بعيدا عن الإنسانية والتقدير، فجعلته معرضا في أي وقت للفصل من عمله حين يمر بأزمة ما أو حين تجد من يأخذ أجرا أقل. الفصل بين الاقتصاد والأخلاق هو جوهر مشاكل الرأسمالية، حيث المال، والمال فقط. استخدمت الرأسمالية الربا كمصدر رئيس للأرباح، إلى درجة وصوله في بعض الأحيان إلى أكثر من رأس المال نفسه! وهذا سبب رئيس في الأزمة الحالية.
وللحكاية بقية
الجشع الرأسمالي لا تحده حدود كما أسلفنا. وقد كلف الجشع في الرهن والإقراض هذه المرة انهيار اقتصاد بأكمله وإدخاله نفقا مظلما لا يعرف أحد منتهاه. يكفي أن تعرف أنه إلى الآن عجز 1.3 مليون أمريكي فقط عن سداد الرهن القابض على بيوتهم، فيما يُتوقع دخول 3 ملايين جدد عام 2008 إلى قائمة ساكني الشوارع والصفيح، مما يهدد بتعميق الأزمة المتفاقمة حاليا.
إننا منتظرون…









أحسنت. سأعود بإذن الله. أضفت رابط المقال ضمن أحاديث تويتر في مدونة عونيات.
جميل ما قرأتهُ هنا ..
الأزمة الاقتصادية أظهرت للعالم وجه الرأسمالية الآخر ,
الميدان الآن بحاجة لمشروع إسلامي اقتصادي , نسمع
حالياً الدعوات للعودة للاقتصاد الإسلامي و لله الحمد
من قبل الغربيين أنفسهم , الأيام القادمة حبلى بالمفأجآت , فلننتظر
السلام عليكم
ما يحدث حكمة عظيمة بالفعل في محق الله للربا كما حذر وكي لا يكون المال دولة بين الأغنياء كما أخبر..
لكن لي عدة ملاحظات هنا على مقالك القيم هذا:
1- الرأسمالية ليست شرا مطلق هناك بعض الإيجابيات التي تميزت بها والتي أخرجت الناس من شرور الإشتراكية وقارن الآن بين الدول الشيوعية ككوريا الشمالية وكوبا كثلا والدول التي تجاورها لترى كيف أصبح الإنسان أقل من حيوان في هذه الدول مقابل النعيم الذي يجده الإنسان في الدول الأخرى حتى الفقيرة منها.
2- من يهاجم الرأسمالية الآن والولايات المتحدة من الذي ذكرتهم م دول أوروبا وغيرهم إنما يهرفون فبلادهم جزء لا يتجزا من الرأسمالية ومن النظام الأمريكي بل هم أساطين في هذا النظام فلا معنى أبدا لإن يهاجموا النظام المالي الحالي وأمريكا وهم اول المطبقين له والعاملين بقوانينه بل والفارضين نظامه على الجميع.
3- الشماتة مثلا بما يسمى بسقوط الرأسمالية لا فائدة عملية منها سوى العزف على عواطفنا وايهامنا بإنتصارات لم نصنعها..فانت تعرف أن النظام المالي الدولي الحالي أصبح أكبر من الرأسمالية واقتصاديات الدول تداخلت بشكل معقد.. فأي ضرر في دولة كبرى يصيب الجميع بشر..وألهم نحن في الخليج مثلاً.. حيث سنحمل نفس المصيبة والفقر والبطالة.
كما أن هذا التغني لا فائدة له إن لم نحمل ونبلور البديل المتكامل لهذا النظام الذي ندعي سقوطه ..وطبعا نحن لا نحمل سوى بعض المقولات والإقتباسات..أما مشروع عملي متكامل جاهز للتطبيق..فلا يوجد ليدنا ولا توجد لدينا القدرة والإمكانية لتطبيقه.
4- من المبكر الحديث عن سقوط أمريكا وإنهيار الرأسمالية ..نعم هي تمر بأزمة كبرى وأغلبية المحللين يقولون إن أمريكا ستنحسر وستمر بركود متوقع لكن كلمات مثل سقوط وإنهيار ليست بالورادة حالياً.
جعلتني أكتب تدوينة كاملة كتعليق في مدونتك
ربما مع بعض الإضافات والتزويق تصبح منشورة في مدونتي.
تحية طيبة
– أهلا بالصديق عوني، مرورك دائما جميل وإشارتك هذه وسام أعتز به.
كن دائما بالقرب.
– الأخ محمد أهلا أهلا بعودتك، افقتقدتك كثيرا يا صاحبي.
بالنسبة للنموذج الإسلامي فكلنا تابعنا وفد البنك الإسلامي للتنمية الذي توجه لواشنطون من أجل لقاء مسؤولي البنك الدولي وعرض التجربة الإسلامية في أسواق المال. صدقني هؤلاء لا يهمهم من أين أتت الفكرة المهم هل ستدر عليهم أرباحا أم لا، وهذا ما لا أعتقد أن التمويل الإسلامي يوفره مثل الربا المعتمد حاليا.
شكرا على متابعتك، واهتمامك.
– أهلا بك أخي Okbah في هذه المصافحة الأولى، وكلي أمل أن تجد في ما يُكتب هنا ما يستحق المتابعة.
بالنسبة لحسنات الرأسمالية، فأنت جئت بنقيضها تماما، فإذا كانت الشيوعية قد تطرفت كثيرا في موضوع المساواة بين البشر فالرأسمالية قد رمت بالمساواة عرض الحائط، وجعلت الإنسان كالبقرة الحلوب (مع الاعتذار عن التشبيه المقزز هنا). أما الدول التي ضربت بها الأمثلة فهي دول محاصرة سياسيا واقتصاديا، وذلك من قبل الدول الكبرى (الرأسمالية) فالفرص هنا مختلفة ولا تكافؤ بينهم. لماذا لم تذكر الصين على سبيل المثال وهي من أكبر الدول اقتصاديا وأسرعها نموا؟ السبب في نجاح الصين وسقوط كوريا الشمالية هو الفرص غير المتكافئة.
أما من هاجموا النظام الأمريكي وطالبوا بتعديله فهم دول رأسمالية بالفعل، وقد دفعت مبالغ ضخمة جدا مثل ما فعلت أمريكا تماما… لكنها دول تطمح أن يكون لها مركز ريادي للعالم اقتصاديا، وهي تدرك تماما أن أمريكا أصبحت كالرجل المريض الذي ينتظر الجميع إعلان وفاته في أي لحظة، وهم يطلبون منه التنازلات الكبيرة (تابع تحركات الرئيس الفرنسي هذه الأيام وهو الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي وستعرف ما أرمي إليه).
أما عن الانتصارات التي لم نصنعها فالرسول -صلى الله عليه وسلم- فرح بانهزام الروم رغم أنه لم يكن من هزمهم بل كان قتالا بينهم وبين الفرس… واقرأ أول سورة الروم:
بالنسبة للأزمة وتداعياتها فلا يمكن أن نتجاهل ذلك، لكن الثمن هو تحرير العالم من هيمنة القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب سيكون من ضمنها الخليج واليابان والصين والاتحاد الأوروبي. هذا الأمر لن يأتي بدون فواتير باهظة لهذا الانهيار، سيتكلفها الجميع بلا شك.
بالنسبة لبديلنا فأعتقد كما أسلفت أن التمويل الإسلامي تجربة تستحق الانتباه والمتابعة وحتى الإشادة. نعم هو ليس بديلا لنظام مالي عالمي لكن تجربة الربح دون فوائد فكرة رائعة أليس كذلك؟
أتفق معك أنه من المبكر الحديث عن سقوط أمريكا، لأن الإعصار لم يصل بعد
شكرا لتواجدك ولهذا التعليق الجميل، مدونتك رائعة وسأتابعها.
شكرا لك.
الثمن هو تحرير العالم من هيمنة القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب
نعم هو ليس بديلا لنظام مالي عالمي لكن تجربة الربح دون فوائد فكرة رائعة
السلام عليكم. ما قاله الأخ عقبة قيّم جدا، خاصة فيما يتعلق بالبديل الذي نحتاجه.
و ما اقتبسته في التعليق كلام يلخص المطلوب حاليا. نريد نظاما جديدا إسلاميا يمنع الفوائد التي تزيد الأغنياء غنى و الفقراء فقرا.
أتمنى أن يكون لدينا حقا رؤية معمقة لهذا الإقتصاد و أنا على يقين بأن من المسلمين من وصل لمستويات عالية في التنظير لإقتصاد إسلامي متكامل، فقطاع التجاري المصرفي الإسلامي يزدهر يوما بعد يوم.
دُمتم في أمان الله.
[...] في مدونته القيمة ليزر طرح موضوعا شاملاً وملتهباً عن الأنفاس الأخيرة للرأسمالية لم يخرج فيه عن الفكرة والجماعة التي بشرت منذ بداية هذه [...]
من أجمل ماقرأت في الرد على مثل هذا الحماس الإنهزامي أترككم معه بقلم الدكتور أنس بن فيصل الحجي:
أعيش في وسط معمعة الأزمة المالية بحكم عملي في شركة استثمارية في الولايات المتحدة، ورغم دهشتي من تسارع الأحداث في الأسابيع الأخيرة، والانخفاض المريع في أسعار النفط، إلا أن دهشتي من ردة فعل آلاف الأئمة والخطباء والكتّاب في عالمنا الإسلامي كانت أكبر. فرغم عجز عباقرة أسواق المال عن إيجاد حلول للأزمة، اكتشفنا أن لدينا في عالمنا العربي آلاف الخبراء.
ورغم إيماني بأن الإسلام، الدين الشامل والكامل، هو الحل، ورغم إيماني الكامل بأن الربا بجميع أشكاله حرام، وأن جميع البيوع التي تتحايل على الربا حرام، إلا أنني لا أستطيع أن أخفي دهشتي من المقالات التي نعت الرأسمالية والعولمة وحرية الأسواق، والمقالات والتعليقات التي يقصر فيها كتابها سبب الأزمة على الربا، موحين بأنه لو حرّمت أمريكا الربا لما حصلت الكارثة. طبعا لم أفاجأ بهذه المقالات، ولكن فاجأني منطقها. مثلا، ماذا سيكون موقف هؤلاء الخطباء والكتّاب والمعلقين لو تجاوز الاقتصاد الأمريكي هذه الأزمة وبدأ بالنمو من جديد؟ وماذا لو حصل هذا النمو والازدهار في فترة انخفضت فيها أسعار النفط وبدأت دول الخليج بتحقيق عجز في موازناتها وبدأت بالاستدانة من الدول التي يشمت بعضهم فيها الآن؟ والأنكى من ذلك، ماذا لو بدأت هذه الدول بالاستدانة من البنوك نفسها التي يشمت بعضهم فيها الآن؟ هل ما أقوله ضرب من الخيال، أم أنه يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها؟
الأزمة بين العاطفة والمنطق
لقد قام كثيرون بإقحام الإسلام في وسط الأزمة، كما أقحموا عديداً من الآيات القرآنية، متناسين أن الحلول الإسلامية لا تكون لمشكلات أنظمة أخرى. فالإسلام نظام يمكن أن يحل مكان نظام آخر، ولكن لا يتوقع لقوانين نظام ما أن تحل مشكلات نظام آخر. السؤال الذي يجب أن يجيب عنه من أقحم الإسلام في الأزمة هو: لو كان هناك إنسان غير مسلم يقرأ ما تكتبوه، أو يسمع ما تقولوه، وأن الله “محق” أموال الأمريكيين بسبب الربا، ثم نما الاقتصاد الأمريكي وحققت البنوك الأمريكية أرباحا ضخمة، ماذا سيقول؟ من المخطئ، الإسلام، أم هؤلاء الذين أقحموا الإسلام والآيات القرآنية في الأزمة؟ ماذا سيقول هذا الشخص غير المسلم إذا رأى أنه في الفترة نفسها التي نمت فيها أرباح البنوك الأمريكية، تبخرت أموال دول الخليج، وتدهور اقتصادها بسبب انخفاض أسعار النفط؟ والأنكى من ذلك كله، ماذا سيقول هذا الشخص الأمريكي غير المسلم إذا ربطنا الموضوع بالإسلام، ورأى معاملة المسلمين لزوجاتهم وإخوانهم؟ أو قيادتهم للسيارات في شوارع المدن الإسلامية؟ وماذا يقول هذا الشخص غير المسلم الذي وقف في الطابور أمام الجوازات أو خطوط الطيران في المطار ليرى الأشخاص أنفسهم الذي ينادون بـ “أسلمة” الأنظمة الأمريكية يتجاوزون الطابور وكأن بقية الناس لا قيمة لهم؟ وماذا سيقول عن الشخص الذي يصر على أن الربا سبب الأزمة، ولكنه لم يعط العمال في شركته أجورهم منذ شهور؟ وماذا سيقول عندما يرى إشارة ممنوع التدخين، وأحد المسؤولين يدخن تحتها؟
وماذا سيقول هذا الشخص عندما يسمع بعضهم يقول إن السبب هو الربا، وأمامه شخصان اشتريا بيتين متماثلين، واستدانا المبلغ نفسه من البنك نفسه، وبمعدلات الفائدة “الربا” نفسها، أحدهما راتبه ألفي دولار وخسر بيته لعدم قدرته على الدفع، والآخر بقي في بيته لأن راتبه ثلاثة آلاف دولار وقادر على الدفع؟ إن الذين يقصرون الأمر على الربا يقعون في مأزق كبير: هل “المَحق” يقتصر على الفقراء فقط؟ لماذا خسر غير القادر على الدفع بيته، وبقي القادر على الدفع في بيته؟
والمدهش في الأمر أيضاً أن الأشخاص الشامتين بأمريكا وأوروبا، والذين يرون أن الحل في تطبيق الاقتصاد الإسلامي، يستشهدون بما كتبه ديفيد وجون وتوماس ضد آراء محمد وعبد الله وأنس! لماذا؟ هل لأن تلك الكتابات تتفق مع أهوائهم، بغض النظر عن مؤهلات جون وديفيد وتوماس؟ يبدو أنه يكفي لدى بعضهم أن يكون الاسم “فرنجيا” ليعطي مصداقية لفكرة “إسلامية”! وما أذهلني أن بعض الشامتين مستعدون لبيع الغالي والنفيس للعيش في أمريكا، وسيكون لهذا الموضوع مقال آخر.
أما الذين توقعوا أن هذه الأزمة ستؤدي إلى سقوط الولايات المتحدة، فقد تناسوا أمورا كثيرة، منها أن الأمريكيين أكثر تطبيقا للمبادئ الإسلامية في حياتهم اليومية من شعوب الدول الإسلامية، وأن أمريكا تجدد دمها باستمرار عن طريق تجنيس مئات الألوف من شتى أنحاء الأرض كل عام، وأنه حتى لو أخطأ زعماء الولايات المتحدة أخطاء فادحة، فإن النظام يصحح نفسه بسرعة عن طريق انتخابات الكونغرس كل سنتين، وانتخابات الرئاسة كل أربع سنوات، وانتخابات مجلس الشيوخ كل ست سنوات.
أقول لكل من شمت بالأزمة، ولكل من تنبأ بسقوط الرأسمالية بسبب هذه الأزمة بالذات، ولكل من نظر إليها بسطحية وربطها بالربا، الأفضل أن تجهزوا أجوبتكم من الآن، لأن النمو قادم! وكنت قد حضرت نقاشا بين شباب مسلمين وأمريكيين، واحتد أحد الشباب المسلمين مشيرا إلى تحريم الربا، ثم استشهد بالآيات، فصعقه جواب أحد الأمريكيين “لا أؤمن بكتابك ولا برسولك، فكيف لي أن أقتنع بأدلتك القرآنية؟” الدرس كان بليغا: إذا كانت مهمة المسلم هي الدعوة إلى الله، فالشماتة ليست الطريق الذي يحقق هذا الهدف، وموضوع الربا ليس الطريق الصحيح لطرح الإسلام على غير المسلمين. خبرة المغتربين أثبتت أن “الدعوة الصامتة” متمثلة في السلوك الحسن هي أفضل طريق لقلوب الآخرين.
نحن لسنا بحاجة إلى من يتشدق بأمجاد الإسلام، ومنجزات الإسلام التاريخية، وبقدرة الاقتصاد الإسلامي على حل المشكلات الاقتصادية. نحن بحاجة إلى أن يكون الشخص أفضل أخ، وأفضل ابن، وأفضل أب، وأفضل زوج، وأفضل صديق، وأفضل طالب، وأفضل مدرس، وأفضل موظف، وأفضل سائق، وأفضل مسافر، وأفضل مالك، وأفضل مستأجر، وأفضل مدير، وأفضل باحث، وأفضل طبيب وأفضل مهندس، وأفضل صحافي، وأفضل…وأفضل. عندها لن يكون هناك أزمات مالية! هل عرفتم سبب الأزمة الآن؟